الرئسيةمجتمع

الضمان الاجتماعي بين منطق التعميم وواقع الهشاشة

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، يجد عدد من الباعة المتجولين وأصحاب الأنشطة البسيطة أنفسهم أمام معادلة صعبة إما الانخراط في منظومة الضمان الاجتماعي وتحمل واجبات شهرية قد تتراكم عليهم أو البقاء خارج المنظومة بما يحمله ذلك من مخاطر صحية واجتماعية

فكرة التعميم في حد ذاتها تقدم كخيار استراتيجي لبناء دولة اجتماعية، غير أن التطبيق على أرض الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين النص القانوني والقدرة الفعلية لفئات واسعة من المواطنين على الالتزام المالي المنتظم

بين إلزامية التسجيل وهشاشة الدخل

منذ إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية تحت إشراف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي توسعت قاعدة المنخرطين لتشمل فئات كانت إلى عهد قريب خارج التغطية، من بينهم الباعة المتجولون والحرفيون وأصحاب الأنشطة الموسمية

غير أن طبيعة هذه الأنشطة تقوم أساسا على دخل غير قار، يتأرجح بين الربح المحدود والخسارة تبعا للمواسم والظروف المناخية وحركية السوق، فالبائع المتجول الذي قد يحقق هامش ربح يومي بسيط يجد نفسه ملزما بأداء اشتراك شهري ثابت بغض النظر عن مستوى مداخيله خلال ذلك الشهر

ومع تراكم أشهر الأداء غير المسدد تتحول الاشتراكات إلى دين متضخم، ما يضع المعنيين أمام ضغط نفسي ومالي مضاعف خاصة في ظل غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية وفواتير الماء والكهرباء

هل التعميم يراعي العدالة الاجتماعية

يؤكد مدافعون عن الورش الاجتماعي أن التغطية الصحية والتقاعد حق دستوري وأن إدماج القطاع غير المهيكل ضرورة لضمان الحماية الاجتماعية للجميع، غير أن نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي يرون أن الإلزام دون مراعاة الفوارق في الدخل والقدرة الشرائية يضرب مبدأ العدالة في العمق

فالمنطق الاجتماعي يقتضي اعتماد مساهمة متدرجة تتناسب مع الدخل الحقيقي أو إقرار إعفاءات مؤقتة للفئات الأشد هشاشة بدل فرض واجبات موحدة قد لا تعكس الواقع الاقتصادي للمستفيدين

كما يطرح السؤال حول آليات احتساب الدخل بالنسبة للأنشطة غير المهيكلة وكيفية التحقق من رقم المعاملات الفعلي لفئات لا تمسك محاسبة منتظمة ولا تتوفر على دخل قار

مخاوف من نتائج عكسية

في حال استمرار الوضع الحالي دون مراجعة قد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية، أبرزها عزوف بعض الفئات عن التسجيل أصلا وتراكم ديون الاشتراكات بشكل يصعب تسويته لاحقا واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي حول الدولة الاجتماعية وإحساس المواطنين بالإنصاف

ويرى بعض المهنيين أن الضغط المالي قد يدفع عددا من الأنشطة الصغيرة إلى التوقف أو الانكماش ما يهدد مصدر عيش أسر كاملة تعتمد على دخل يومي محدود

نحو مقاربة أكثر مرونة

أمام هذا الوضع تبرز الحاجة إلى حلول عملية تراعي التوازن بين هدف التعميم وواقع الهشاشة، من بينها اعتماد اشتراكات مرنة مرتبطة بالدخل الفعلي وتمكين الباعة المتجولين من فترات سماح عند التعثر وتخصيص دعم جزئي من الدولة للفئات ذات الدخل المحدود واعتماد آليات تصنيف اجتماعي دقيقة لتحديد المستحقين للإعفاء أو التخفيض

فالحماية الاجتماعية ليست مجرد إجراء إداري بل هي عقد ثقة بين الدولة والمواطن، وإذا شعر المواطن البسيط بأن هذا العقد يميل لصالح الالتزام المالي أكثر من الحماية الفعلية فإن المشروع برمته يفقد جزءا من شرعيته الاجتماعية

يبقى ورش تعميم الضمان الاجتماعي خطوة إصلاحية كبرى في مسار بناء الدولة الاجتماعية بالمغرب، غير أن نجاحه مرتبط بمدى قدرته على الإنصات لنبض الشارع خاصة صوت طالب معاشو الذي يكافح يوميا لتأمين قوت أسرته، فالتغطية الشاملة هدف نبيل لكن العدالة الاجتماعية تظل معيار النجاح الحقيقي بين الطموح الإصلاحي والواقع المعيش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى