
لا يزال تجار ومهنيو المحلات بالمدينة القديمة بمدينة أسفي يعيشون على إيقاع الانتظار القاتل، بين تساقطات مطرية تعيد إلى الأذهان كابوس الفيضانات، ووعود إصلاح لم تغادر بعد رفوف الاجتماعات التقنية، الخطر قائم، والماء لا يعترف بالبلاغات، ولا ينتظر انتهاء الدراسات.
وادي الشعبة… ذاكرة الماء التي لا تنسى
فيضانات وادي الشعبة لم تكن مجرد حادث عابر، بل صفعة كشفت هشاشة البنية التحتية داخل المدينة القديمة، وعرت أعطابا عمرانية تراكمت لسنوات، محلات غمرتها المياه، بضائع أتلفت، وأبواب تهشمت تحت ضغط السيول، فيما وجد التجار أنفسهم أمام خسائر مالية ثقيلة دون شبكة أمان حقيقية.
اليوم، ومع عودة التساقطات، يعود السؤال بإلحاح هل نحن أمام تدبير استباقي أم انتظار لفيضان جديد يوقظ الضمائر؟
اجتماع بلا آجال واضحة
حسب المعطيات المتداولة، عقد اجتماع بين ممثلي الشركة المكلفة بالإصلاح وممثلي التجار والسلطات المحلية، تم خلاله عرض برنامج لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، يشمل تبليط الأزقة، وتركيب الأبواب، وتهيئة الشوارع داخل المدينة القديمة. كما جرى الحديث عن مدة شهر ونصف للشروع في الأشغال بعد استكمال الدراسات التقنية.
لكن شهر ونصف في زمن الخطر الهيدرولوجي ليس مجرد رقم إداري، بل مقامرة مفتوحة على احتمالات الطبيعة. فالتجار لا يطالبون ببلاغات مطمئنة، بل بآليات ضخ، وقنوات تصريف، وحواجز وقائية تشتغل قبل أن تتحول الأزقة إلى مجارٍ مفتوحة.
دراسة تقنية… أم ترحيل للأزمة؟
تم إسناد دراسة لمكتب مختص لوضع إجراءات لحماية المدينة القديمة من فيضانات وادي الشعبة، على أن تُعرض أمام لجنة تضم وزارة التجهيز ووكالة الحوض المائي والشركة المكلفة بالإصلاح. خطوة تبدو في ظاهرها مؤسساتية، لكنها في نظر المتضررين قد تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل “الدراسة قبل القرار”.
المدينة القديمة ليست ملف نظري في رف لجنة تقنية، بل فضاء اقتصادي واجتماعي حي، يعيل عشرات الأسر، وكل تأخير في التنفيذ يعني مزيدا من النزيف المالي، ومزيدا من المحلات المغلقة، ومزيدا من الثقة المفقودة.
خسائر تتراكم وصبر ينفد
يطالب التجار بالشروع الفوري في الإجراءات المتفق عليها، حتى يتمكنوا من استعادة نشاطهم التجاري وتعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها خلال الأشهر الماضية، فالموسم التجاري لا ينتظر، والزبون لا يعود إلى محل موصد أو مهدد بالغرق.
المفارقة أن الحديث عن إعادة التأهيل يأتي بعد كل فيضان، بينما تغيب رؤية وقائية شاملة تعالج أصل المشكلة؛ شبكة تصريف عاجزة، ومجرى مائي غير مضبوط، ونسيج عمراني تاريخي يحتاج إلى مقاربة خاصة لا ترقيعًا ظرفيًا.
بين حماية التراث وحماية الأرزاق
المدينة القديمة بأسفي ليست فقط تراثًا عمرانيا، بل اقتصادًا محلي نابض وأي مشروع لحمايتها من الفيضانات يجب أن يجمع بين البعد التقني والبعد الاجتماعي، بين صيانة الذاكرة الحجرية وصون أرزاق الناس.
الكرة الآن في ملعب الجهات المعنية، فإما أن تتحول الدراسات إلى أوراش ملموسة قبل أن يرتفع منسوب وادي الشعبة من جديد، أو أن يظل التجار أسرى وعود مؤجلة، ينتظرون رحمة السماء أكثر مما ينتظرون نجاعة التدبير.




