الرئسيةرأي/ كرونيك

المغرب/الجزائر/السينغال..شكرا على الدرس

بقلم حسني المخلص 

قبل أيام كنت بمدينة برشلونة..أقدم ورشا لمسرح المنتدى لصالح شبان وشابات من دول مختلفة يجمع بينهم أنهم مهاجرين غير نظاميين..أغلبهم من المغرب والجزائر وواحد من السينغال..هذا الأيام قررت إسبانيا “تقنين” وضع 500 الف مهاجر بشروط نسبيا مرنة..الأمر الذي جعل مدينة مثل برشلونة مليئة بشباب يبحث عن فرصة كي صبح مجرد وجوده فوق هذا الكوكب أمرا قانونيا..
شباب ينام في الحدائق وتحت الجسور..كيف لقاصر مغربي أن يضع لنفسه برنامج تدريب رياضي قاسي لكي ينجح في العبور سباحة إلى مدينة سبتة..كيف لمراهق جزائري أن يرمي بنفسه في قارب مطاطي من إحدى شواطئ وهران ليلتحق بأخيه الأصغر..
كيف لشاب سينغالي أن يغامر هو صديقين له على مركب صيد من منطقة كازانامس جنوب السينغال ليصل واحد منهم فقط..كلهم التقوا ببرشلونة..
رأيت كيف هذا الواقع جعلهم كثلة واحدة..كيف يتقاسم مغربي وجزائري خيمة واحدة بالليل..كيف أنهم لا يرددون كلمة خاوة خاوة أبدا..فواقعهم يفرض عليهم الخاوة وليس الشعار..
رايت كيف السينغالي يساعدهم في تعبئة البطاريات المحمولة powerbank لأنه استطاع أن يحجز له مكانا في مركز عناية اجتماعية..رايت كيف يعيشون كتكثل واحد ومتضامن..هم ليسوا ملائكة طبعا..فالملائكة لا يعلمون أسماء أوطان هؤلاء، ولا يعرفون معنى الحدود..
هم ليسوا ملائكة، لكنهم واعون بوحدة مصيرهم..حاولت إثارة نقاش كرة القدم..تقاسموا دعابات من قبيل السينغال سرقت الكأس منا..أو المغرب هو من أراد سرقته أولا..ثم عادوا سريعا لواقعهم..ولمستجدات الأوراق التي على كل واحد منهم أن يطلبها من وطنه الأم أو على قول أحدهم من وطنهم “زوجة الأب”..
تذكرت حمى المواقع بُعيد الكأس الإفريقية..تذكرت كيف تماهى الجميع مع واقع غير واقعه بالضرورة..كيف كان مستعدا عاطفيا لتصديق ليس الذي يراه بل الذي أحب أن يراه..
هل نستطيع أن نقنع سينغاليا أن ضربة الجزاء كانت قانونية..وهل يمكن أن نقنع مغربيا أن ضربة الجزاء لم تكن ضربة جزاء..إنهم مقتنعون تماما بما أرادوا أن يصدقوا..تلك الأيام أظهرت لي قدرة البشر على الهرولة وراء عواطفهم لحد لم يفرق الكثير بين السخرية والتهكم والتحرش والإهانة..وقدرتهم الرهيبة على التعميم فمن وصف لاعب جزائري -مثلا- بكذا نمر سريعا إلى وصف الجمهور الجزائري وإلى وصف كل الشعب الجزائري..من الفرد إلى مجموعة إلى أمة..رهيب جدا كيف حول مثقفون وفنانون واقعا بنته عواطفهم إلى أحكام معممة بل وإلى نظريات حول مخطط الاستعمار الأبيض والعروبي لإفريقيا جنوب الصحراء -مثلا-..
وإلى قناعات كأن حرب الرمال الثانية ستقوم قريبا بين البلدين الجارين..لقذ دهبنا بعيدا في هذا الجنون..تذكرت كيف عاش المغاربة والسينغاليين والجزائريين حمى التلاسن في المواقع..الحمى التي كادت أن تتحول إلى خطابات عنصرية مهيكلة..
كيف عاشوا تلك الأيام وراء الشاشات..الشاشات التي لا يمكن أن يستخدمها شاب من المغرب أو من الجزائر ببرشلونة لولا مساعدة زميلهم من السينغال..
هذه الشعوب الثلاثة التي أظهرت روحا وطنية جارفة أيامها وحرقة على البلاد الطاهرة النقية والبريئة لأن ببساطة الأشرار هم الآخرون الذين لا يحبوننا..كم وددت أن يطلوا جميعا من خرم ليروا واقع أطفالهم..
كيف هرب هؤلاء الأطفال من أوطانهم العظيمة..كم وددت لو كانت تلك الروح الوطنية المزلزلة أن تقف للحظة لتستمع لقصة كل واحد منهم..لبرد البحر ..لخوف الليل..لاشتياق الأم..للحظة واحدة فقط..أن ينظروا إلى الواقع الحقيقي، الواقع الواقعي وليس الافتراضي..
واقع يركبه هؤلاء الشباب كحصان جامح..ليس كعصا نمتطيها لنمارس فروسيتنا الواهمة على المواقع..لي رغبة في القول اجمعو أبناءكم من برد و تشرد الغربة ثم أشهروا سيوفكم الافتراضية، لكن هذا رمضان..كل عام وأنتم وهم بخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى