
بين بلاغ رسمي يؤكد واقعة “إلقاء النفس” وصرخة والدين يرفضـان تصديق الرواية، تتحول وفاة طالب ماستر داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء إلى قضية رأي عام تتجاوز حدود حادث عرضي، لتلامس أسئلة عميقة حول الثقة في المؤسسات، وضمانات البحث القضائي، وحق العائلة في الحقيقة الكاملة.
سقوط من الطابق الرابع.. رواية البلاغ الرسمي
جاء بلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء حاسماً في توصيفه الطبي للواقعة.. حيث خلصت لجنة ثلاثية من الأطباء الشرعيين إلى أن الإصابات المتعددة التي عاينتها تتوافق مع سقوط من علو، موضحة أن الوفاة نجمت عن مضاعفات رضوض وكسور على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ، إضافة إلى نزيف سحائي.
و حسب المعطيات الأولية، يشير نفس المصدر إلى أن المعني بالأمر كان موضوع بحث قضائي بمكتب في الطابق الرابع، وعند مباشرة إجراءات إخضاعه للحراسة النظرية، توجه بشكل مفاجئ إلى نافذة جانبية مطلة على الفضاء الداخلي للبناية وألقى بنفسه منها، فيما سجلت المعاينات الميدانية اقتلاع جزء من حزام بلاستيكي من إطار النافذة، وارتطامه أولاً بسياج من مادة “الأنوكس” في فناء الطابق الأرضي ما تسبب في اعوجاجه، قبل أن يسقط إلى الطابق تحت أرضي، حيث عاينت عناصر البحث بقع دم بمكان الارتطام..
ورغم نقله على وجه السرعة إلى المستشفى وخضوعه للإسعافات، فقد فارق الحياة في الساعات الأولى من صباح الخميس، فيما فُتح بحث قضائي لتحديد جميع الملابسات بدقة.
صرخة عائلة.. بين الشك والوجع
في المقابل، خرج والدا الضحية في تسجيل مصور يطغى عليه الانكسار، ليقدما رواية مختلفة تماماً.. حيث يؤكد الأب أن ابنه لم يكن موضوع متابعة جنائية تقليدية، بل كان في نزاع قانوني مع عميدة شرطة، ورفض التنازل عن حقه رغم ما يعتبره “ضغوطات”.
و تصف العائلة ابنها بطالب متفوق يتابع دراسته في سلك الماستر/الدكتوراه في القانون، دون سوابق، وعلى دراية بالإجراءات القانونية، متسائلة بمرارة عن خلفيات “مذكرة البحث” التي فوجئت بها.. بالنسبة إليهم، فكرة أن شاباً يدرس القانون وينخرط في مسار أكاديمي واعد قد يقدم على إنهاء حياته داخل مؤسسة أمنية تظل أمراً يصعب استيعابه دون توضيحات أعمق.
بين القانون والرأي العام.. الحاجة إلى الحقيقة
لا تختزل القضية اليوم في تقرير طبي أو في شهادة عائلية، بل في المسافة الفاصلة بينهما.. في دولة المؤسسات، حيث يُفترض أن يشكل البحث القضائي المفتوح، وتقرير الطب الشرعي، وضمانات الشفافية، الإطار الكفيل بتبديد الشكوك..
غير أن حساسية المكان وطبيعة الأطراف تضفي على الواقعة حمولة رمزية قوية، تجعل الرأي العام متعطشاً لتفاصيل دقيقة لا تترك فراغاً للتأويل.
وبينما يؤكد البلاغ الرسمي تطابق الإصابات مع واقعة سقوط إرادي، تصر العائلة على أن الصورة لم تكتمل بعد، و في هذا التوتر بين السرديتين، يبقى السؤال المركزي معلقاً: كيف يمكن تحويل الألم إلى حقيقة موثقة تقنع القانون وتهدئ قلوباً أنهكها الفقد؟




