
خلال شهر رمضان، حيث ترتفع وتيرة العمل الخيري وتتسع دائرة التضامن الاجتماعي، دخلت الأجهزة الأمنية على خط المواجهة الرقمية، في ظل تنامي ظاهرة النصب الإلكتروني التي باتت تستهدف جيوب المغاربة عبر بوابة “الإحسان”.
مصادر إعلامية كشفت أن مصالح الأمن السيبراني رفعت من مستوى اليقظة والمراقبة على منصات التواصل الاجتماعي، بعد تسجيل ارتفاع مقلق في عدد الصفحات والحسابات التي تروج لنداءات تبرع مشبوهة، غالباً ما تكون مدعومة بمحتوى بصري مفبرك يصعب على المستخدم العادي كشف زيفه.
ذكاء اصطناعي في خدمة الاحتيال
التحول الأخطر في هذا النوع من الجرائم لا يكمن فقط في النية الاحتيالية، بل في الوسائل المستعملة. إذ تعتمد بعض الشبكات الإجرامية على تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة ما يعرف بـ”الفيديوهات المزيفة” (Deepfake)، لإنتاج مقاطع تظهر عائلات في وضعية هشاشة وهي تطلب المساعدة، بصوت وصورة شديدي الواقعية.
هذه الفيديوهات تُصمم بعناية لاستهداف العاطفة الجماعية خلال رمضان، حيث ترتفع معدلات التبرع، ما يجعل المتلقي أقل ميلاً للتحقق وأكثر استعداداً للتفاعل الفوري.
من الإحسان إلى الابتزاز العاطفي
اللافت في هذه العمليات أنها لا تكتفي بعرض حالات إنسانية مزعومة، بل تُرفقها بوسائل تحويل مالي سريعة، مثل المحافظ الإلكترونية أو حسابات بنكية يصعب تتبعها، ما يحول فعل الإحسان إلى قناة مفتوحة لتمويل شبكات النصب.
ويحذر خبراء في الأمن الرقمي من أن هذه الأساليب تمثل شكلاً جديداً من “الابتزاز العاطفي الرقمي”، حيث يتم استغلال القيم التضامنية للمجتمع المغربي لتحقيق أرباح غير مشروعة.
يقظة أمنية.. ومسؤولية جماعية
في المقابل، تعمل المصالح المختصة على تتبع هذه الشبكات عبر تحليل المعطيات الرقمية، وتعقب مصادر المحتوى، مع إمكانية الوصول إلى المتورطين حتى خارج التراب الوطني، بفضل التعاون الأمني الدولي.
لكن، ورغم هذا المجهود، تبقى مسؤولية التحقق ملقاة أيضاً على عاتق المواطنين، من خلال تجنب التفاعل مع الصفحات غير الموثوقة، وعدم تحويل الأموال إلا عبر قنوات معروفة ومرخصة.
رمضان بين القيم والتحديات الرقمية
ما يحدث اليوم يعكس تحولا عميقاً في طبيعة الجريمة، حيث لم تعد تقتصر على الفضاء الواقعي، بل امتدت إلى المجال الرقمي مستغلة أدوات متطورة وسياقات اجتماعية حساسة.
وفي وقت يفترض أن يكون رمضان موسم للتكافل، يبدو أن بعض “تجار الوهم” وجدوا فيه فرصة ذهبية لتسويق معاناة مزيفة، في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول أخلاقيات التكنولوجيا وحدود استخدامها.




