
يشتد الخناق على حركة “جيل زد 212” في المغرب منذ مطلع فبراير، في ظل موجة محاكمات واعتقالات وُصفت بأنها غير مسبوقة، وسط تحذيرات حقوقية من “محاكمات سياسية” و”انتهاكات خطيرة لحرية التعبير”، في مقابل تأكيد السلطات أن المتابعات مرتبطة بأعمال عنف رافقت الاحتجاجات.
محاكمات متلاحقة واتهامات بالتحريض
وفق ما أوردته صحيفة لوموند، مثلت زينب خروبي، إحدى منسقات مجموعة “جيل زد 212 – فرنسا”، أمام المحكمة الابتدائية بعين السبع في الدار البيضاء يوم 23 فبراير، بعد توقيفها فور وصولها إلى مطار مراكش قادمة من فرنسا. وقد أُفرج عنها في اليوم التالي بانتظار محاكمتها.
وتواجه خروبي (28 عامًا) تهمة “تحريض شبان على المشاركة في مظاهرات غير مرخص لها” عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي جنحة قد تصل عقوبتها إلى عدة أشهر سجنا، واعتبرت هيئة دفاعها أن القضية “سياسية بحتة”، وتمثل مساسا بحرية التعبير.
عقب الجلسة، عبر عدد من الشباب الحاضرين لدعمها عن شعورهم بـ”الترقب الدائم”، معتبرين أن خطر الاعتقال قد يطال أي ناشط في أي لحظة.

ملاحقات بسبب النشاط الرقمي
لم تقتصر المتابعات على نشطاء الخارج، بل شملت وجوها محلية، من بينها محمد خليفة (29 عاما)، الذي أوقف في 16 فبراير على خلفية رسائل نشرها عبر منصة ديسكورد خلال خريف 2025. وخضع منزله للتفتيش وصودر حاسوبه، رغم مرور أشهر على ذروة الاحتجاجات، ووُضع رهن الاعتقال الاحتياطي في انتظار محاكمته.
وسبق أن أُدين شاب من كلميم في أكتوبر 2025 بالسجن خمس سنوات بتهمة “الترويج والتنسيق للدعوة إلى التعبئة” عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
أرقام مثيرة للجدل
في هذا السياق، أفاد رئيس فرع الرباط لـالجمعية المغربية لحقوق الإنسان بأن عدد الموقوفين بلغ ما لا يقل عن 5700 شخص، تمت متابعة 2480 منهم، بينما يقبع نحو 2100 في السجن بأحكام تتراوح بين أشهر و15 سنة، واعتبر أن المعطيات المتاحة “غير مكتملة” بسبب محدودية الشفافية الرسمية.
في المقابل، تشير المعطيات الرسمية إلى توجيه اتهامات لأكثر من 2400 شخص على خلفية احتجاجات شبابية تحولت في بعض المدن إلى أعمال عنف، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، إضافة إلى أضرار مادية طالت محلات وسيارات. ومن بين 2480 متابعا، لا يزال 1473 رهن الاعتقال الاحتياطي في انتظار المحاكمة، بتهم تشمل التمرد المسلح، وإهانة موظفين عموميين، والتحريض على ارتكاب جرائم.
جدل حول عدالة المحاكمات
دفاع عدد من المتابعين تحدث عن “خروقات إجرائية”، مشيرا إلى محاضر بتوقيعات متشابهة أو انتُزعت تحت الإكراه، وإلى مزاعم عن تعرض بعض المتهمين للعنف. واعتبر محامون أن المحاكمات “لم تكن عادلة ولا مطابقة للقانون”، بينما لم تصدر الجهات القضائية توضيحات تفصيلية بشأن هذه الادعاءات.
في وجدة، حوكم نحو 30 شابا، بينهم قاصرون، على خلفية تجمع في 29 سبتمبر 2025، وقضت محكمة الاستئناف ببراءة نصفهم، فيما صدرت أحكام بالسجن النافذ أو الموقوف التنفيذ في حق آخرين. كما أصدرت محكمة الاستئناف بـمراكش أحكامًا بإدانة 48 شابا في ملفات مرتبطة بالحركة.
احتجاجات واسعة وخلفيات اجتماعية
فاجأت مظاهرات “جيل زد 212” السلطات بحجمها وانتشارها الجغرافي، إذ شهدتها مدن كبرى مثل الرباط وأكادير وفاس وطنجة، إلى جانب مناطق مهمشة كـبني ملال والناظور وورزازات والقليعة وغيرها.
واندلعت موجة التعبئة عقب وفاة ثماني نساء بعد الولادة في مستشفى بأكادير في 14 سبتمبر 2025، لتتحول إلى احتجاجات أوسع تطالب بتحسين التعليم والرعاية الصحية، ومحاربة الفساد، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
كما انتقدت الحركة ما وصفته بتركيز الإنفاق العمومي على البنية التحتية المرتبطة بالتظاهرات الرياضية، مقابل تراجع الخدمات الأساسية.

قراءة سوسيولوجية
من منظور سوسيولوجي، يُنظر إلى حراك “جيل زد” باعتباره امتدادا لموجة احتجاجات شبابية عالمية تعكس تمردا على التفاوتات الاجتماعية وغلاء المعيشة وهشاشة التشغيل.
ويتميز هذا الجيل باعتماده المكثف على التنظيم الرقمي ومنصات التواصل، وببحثه عن قنوات مشاركة بديلة خارج الأطر الحزبية التقليدية.
وبين رواية رسمية تؤكد ضرورة فرض النظام العام ومحاسبة المتورطين في العنف، ورواية حقوقية تحذر من تضييق متزايد على حرية التعبير، تظل قضية “جيل زد 212” مفتوحة على مزيد من التطورات، في اختبار جديد لعلاقة الدولة بالشباب ولحدود الاحتجاج في السياق المغربي.
خلاصة أولية على سبيل الختم..
تشكل احتجاجات حركة 20 فبراير وحراك الريف و”جيل زد 212” حلقات متصلة في مسار تحولات الاحتجاج بالمغرب خلال العقد الأخير، رغم اختلاف السياقات والشعارات وأشكال التنظيم.
فبينما انطلقت الأولى في سياق إقليمي موسوم برياح “الربيع العربي”، مطالبة بإصلاحات دستورية وسياسية عميقة، جاء حراك الريف بطابع اجتماعي–مجالي قوي، مركزا على مطالب التنمية ورفع التهميش، في حين يعكس حراك “جيل زد” تمردا جيليا عابرا للمجالات، تغذيه هشاشة التشغيل وتدهور الخدمات العمومية، ويتوسل أدوات التنظيم الرقمي بدل الوسائط التقليدية.
القاسم المشترك بين هذه الديناميات الثلاث يتمثل في تصاعد الفجوة بين المجتمع والسياسة المؤسسية.
ففي كل محطة، برز عجز الفاعل الحزبي الكلاسيكي عن استيعاب المطالب الجديدة وتأطيرها، خلال 20 فبراير، التحقت بعض الأحزاب والنقابات بالحراك لكنها لم تقُده، بل بدت مترددة بين منطق الشارع ومنطق التفاوض المؤسساتي.
وفي الريف، ظهر ضعف الوساطة الحزبية بشكل أوضح، إذ عجزت النخب المحلية عن لعب دور الجسر بين المحتجين والدولة، ما عمق منسوب انعدام الثقة.
أما في حالة “جيل زد”، فيتجلى القطيعة بشكل أكثر راديكالية، حيث يُنظر إلى الأحزاب بوصفها جزءا من المشكلة، لا قناة للحل.

الأحزاب المغربية ما تزال أسيرة أنماط اشتغال تقليدية
هذا العجز لا يرتبط فقط بالاختيارات السياسية، بل ببنية تنظيمية هرِمة ومُتكلسة. فالأحزاب المغربية، في أغلبها، ما تزال أسيرة أنماط اشتغال تقليدية، تقوم على الزعامة الفردية، وضعف الديمقراطية الداخلية، وغياب آليات فعالة لاستيعاب الطاقات الشابة.
بنيات الاستقبال داخلها محدودة، ولغتها السياسية لا تواكب تحولات الوعي الجيلي ولا إيقاع الفضاء الرقمي.
في المقابل، يتحرك جيل جديد خارج هذه الأطر، يوظف منصات التواصل لبناء شبكات مرنة، أفقية، وسريعة التعبئة، ما يجعل الوساطة الحزبية تبدو بطيئة وغير جذابة.
هكذا، يتراكم فراغ تمثيلي بين الدولة والمجتمع. ومع كل موجة احتجاج، يتأكد أن الإصلاحات الجزئية أو المعالجات الأمنية لا تعالج أصل الإشكال، المتمثل في ضعف قنوات الوساطة السياسية والاجتماعية.
فالمطالب التي رفعتها 20 فبراير حول الكرامة والعدالة الاجتماعية تجد صداها في الريف، ثم تتجدد بصيغة رقمية–جيلية مع “جيل زد”، ما يدل على أن جوهر الأزمة بنيوي لا ظرفي.
الخلاصة أن المغرب أمام معادلة دقيقة: مجتمع يتغير بسرعة، وأجيال تمتلك أدوات تعبير جديدة، في مقابل حقل سياسي لم ينجح بعد في تجديد نُخَبه وبنياته وخطابه.
وبينما تستمر الدولة في إدارة الاحتجاج بمنطق الموازنة بين الاستجابة والضبط، يبقى الرهان الحقيقي في إعادة بناء الثقة عبر تحديث عميق للوساطة السياسية، وإلا فإن الفراغ سيظل يُملأ بدورات احتجاج متتالية، تختلف في الشكل وتتقاطع في الجوهر.





