الرئسيةسياسة

مرشح مشترك يلوح بين اليساريين…وحزب الكتاب خارج الاتفاق

يشهد المشهد السياسي المغربي تراجعا واضحا في تأثير اليسار، الذي يعاني من ضعف وحدته وتشتت مكوناته، ما ينعكس سلبا على قدرته على التأثير في الانتخابات وصناعة القرار.

كشفت هذه النقاشات عن خلافات جوهرية في وجهات النظر

ومن أبرز الأمثلة على هذا التشتت، المفاوضات الأخيرة بين حزب التقدم والاشتراكية، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد، والتي عرفت تعثرا بسبب اختلاف المسارات السياسية والتنظيمية للأطراف المعنية؛ فبينما شارك بعض الأحزاب في حكومات سابقة، اختار الآخرون التمركز في المعارضة، مما صعب التوافق حول تحالف انتخابي موحد.

وفق مصادر مطلعة، كشفت هذه النقاشات عن خلافات جوهرية في وجهات النظر بشأن عدد من القضايا السياسية، فضلا عن تباين التصورات حول طبيعة وشكل التحالف المقترح.

ورغم عدم التوصل إلى اتفاق، أكد المجتمعون من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد وحزب التقدم والاشتراكية على إبقاء باب التنسيق مفتوحا، مع إمكانية تطوير هذا التنسيق بعد الانتخابات التشريعية المقبلة.

من جانبه، طرح محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، مقترحا أطلق عليه اسم “الدوائر النموذجية”، والذي يقوم على تحديد عدد محدد من الدوائر الانتخابية التي تشارك فيها مختلف الأحزاب، ويتم ترتيب قوائمها على أساس نتائج الانتخابات السابقة، بحيث يتصدر اللائحة الحزب الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات في كل دائرة، بينما تحسم الدوائر الأخرى وفق توافقات بين الأحزاب المشاركة.

لكن مصادر مطلعة تشير إلى أن فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد يسعيان بشكل مستقل لإيجاد مرشح مشترك، ويخططان للإعلان عن تحالفهما على شكل اتفاق ثنائي يُعرض على برلمان الحزبين للمصادقة.

ويركز الطرفان على استهداف نفس القاعدة الانتخابية، وهو ما يثير مخاوف من تشتت أصوات الناخبين اليساريين، ودفع جزء منهم للاعتكاف أو فقدان الثقة في قدرة الحزبين معا، على توحيد موقف هذه القاعدة الانتخابية السياسي والانتخابي، بل وعلى قناعتها في فائدة هذا التصويت مع حال استمرار تشتتهما .

فيما اعتبر قيادي من حزب التقدم والاشتراكية أن مقترح “الدوائر النموذجية” كان عرضا واقعيا لجمع قوة اليسار في تحالف موحد، إلا أن فيدرالية اليسار والاشتراكي الموحد لم يتفاعلا معه، بحجة عدم استعدادهما لتحمل عبء المشاركة في حكومات سابقة افتقرت إلى الصلاحيات السياسية والدستورية الكافية، فضلا عن التجارب السابقة في إقامة تحالفات غير طبيعية، ووجود مساحة واسعة من الاختلافات، في العديد من القضايا.

في المجمل، يعكس هذا الوضع أزمة تموقع اليسار المغربي، حيث تتشابه برامج بعض مكوناته وقاعدته الانتخابية، ما يزيد من تفتيت أصوات الناخبين ويضعف تأثيره على الساحة السياسية، ويبرز الحاجة الماسة لتوحيد الجهود إذا أراد أن أن يعيد بعضا من فاعليته  وقدرته على المنافسة.

حاجة المغرب لليسار

تشير أغلب التحليلات المهتمة بهذا الفصيل، أن المغرب اليوم بحاجة ماسة لليسار كقوة مستقلة تعارض منحى متزايد في زواج غير شرعي بين السلطة والمال، وتلجم النفوذ المتنامي للأوليغارشية المالية التي عمقت الزواج بين المال والسياسة، وصحرت الحياة العامة.

تعتبر نفس التحليلات، أن اليسار، ببرامجه الاجتماعية والاقتصادية العادلة، قادر على حماية المكتسبات الشعبية، ومنح الفئات المهمشة صوتا في القرار، وفرض الحد الأدنى من الضوابط على التحالفات السلطوية، غير أن غياب هذه القوة يجعل المشهد السياسي أكثر هشاشة ويضاعف فرص احتكار القرار من قبل مصالح اقتصادية ضيقة، على حساب التنمية المتوازنة والمشاركة الديمقراطية.

اقرأ أيضا…

على هامش دعوة نبيل بنعبد الله إلى وحدة اليسار دون شروط..وحدة القوى الديمقراطية: رهان المرحلة

تجميع قوى اليسار وجذب جمهور المقاطعين

في نفس السياق، يرى هؤلاء المحليلين، أن السيناريو الأنسب لليسار المغربي هو الانفتاح على كل من ابتعد عن هياكله التقليدية، سواء كان من التنظيمات الرسمية أو من يُطلق عليهم “شعب اليسار”، وابتكار صيغ مرنة ومبدعة تجمع بين هذه القوى.

وأن هذا التجميع لا يعني محاصرة الأفراد أو الأحزاب، بل خلق منصات متعددة تسمح بتقديم خيارات انتخابية مشتركة، تنشط القاعدة اليسارية، وتعيد جمهور المقاطعين إلى حلبة الانتخابات.

التجربة التاريخية تثبت أن تشتت اليسار يضاعف فرص غياب الصوت الشعبي، بينما الوحدة الديناميكية والمرنة قادرة على تحويل التشتت إلى قوة جاذبة، تجعل من اليسار لاعبا مؤثرا قادرا على فرض التوازن السياسي والاجتماعي في المغرب.

التمييز بين مقاربتين مختلفتين مقاربة السياسي ومقاربة المؤرخ

في السياق نفسه، يذهب جزء مهم من هؤلاء المحليلين المهتمين بهذا الفصيل اليساري في المغرب، أن التعاطي مع وضع سياسي شديد التعقيد كالذي يعيشه المشهد الحزبي اليوم في المغرب، يصبح من الضروري التمييز بين مقاربتين مختلفتين: مقاربة السياسي ومقاربة المؤرخ.

فالمؤرخ ينشغل بتسجيل الوقائع واستحضار التجارب الماضية وتقييمها بمنطق التوثيق والتحليل البارد، بينما يُفترض في الفاعل السياسي أن يتحرك بمنطق المبادرة والقدرة على اقتراح عرض سياسي جديد، جذاب ومعبّئ، أو التعاطي سياسيا مع العروض السياسية، يستجيب لتحولات اللحظة ويستشرف الممكن.

ومن هنا يبرز أيضا التمييز بين التعاطي التكتيكي، الذي قد يفتح المجال لأشكال متعددة ومتغيرة من التنسيق والتحالف داخل دوائر انتخابية أو ظرفيات محددة، وبين التحالفات المبدئية والاستراتيجية التي تُبنى على أرضية فكرية وسياسية واضحة وعلى رؤية بعيدة المدى. ا

إن الخلط، بالنسبة لهؤلاء، بين هذين المستويين كثيرا ما يؤدي إلى تعطيل إمكانات الفعل السياسي، في حين أن إدراك الفرق بينهما يسمح بابتكار صيغ مرنة في التكتيك دون التفريط في الثوابت الاستراتيجية.

اقرأ أيضا…

في شروط بناء فعل يساري موحّد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى