
في الوقت الذي تُقدَّم فيه الأرقام الرسمية باعتبارها مؤشرات على تحسن أوضاع النساء في المغرب، تكشف قراءة متأنية لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط أن هذا التحسن، رغم أهميته، لا يزال هشًا ومشروطًا بسياقات اجتماعية واقتصادية غير متكافئة.
تحسن رقمي… وانتكاسة ظرفية
تشير المعطيات إلى أن معدل الفقر النقدي لدى الأسر التي تعولها نساء عرف تراجعًا لافتًا، من 10% سنة 2001 إلى 1% سنة 2019، وهو تطور يعكس أثر السياسات الاجتماعية وبرامج الدعم التي استهدفت الفئات الهشة.
غير أن هذا المسار لم يكن خطيًا، إذ عاد المؤشر للارتفاع سنة 2022 إلى 2.5%، في سياق يتسم بتداعيات الأزمات الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة.
هذا الارتفاع، وإن بدا محدودًا من حيث النسبة، يحمل دلالة عميقة: النساء، خصوصًا المعيلات للأسر، يظللن أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية، وأقل قدرة على امتصاصها.
فوارق مجالية صارخة
الأرقام تكشف أيضًا عن تفاوت واضح بين الوسطين الحضري والقروي. ففي الوقت الذي لا يتجاوز فيه معدل الفقر 2% في المدن، يقفز إلى 4.2% في القرى.
هذا الفارق لا يعكس فقط اختلاف مستويات الدخل، بل يكشف عن اختلالات بنيوية في الولوج إلى الخدمات، وفرص الشغل، والبنيات الأساسية.
فالمرأة القروية، التي تُعتبر ركيزة أساسية في الاقتصاد غير المهيكل والفلاحة، لا تزال تعيش على هامش الحماية الاجتماعية، وتتحمل عبئًا مزدوجًا بين العمل غير المؤدى عنه والأدوار الأسرية.
التعليم… المحدد الحاسم
أحد أبرز الخلاصات التي تطرحها معطيات المندوبية هو الارتباط الوثيق بين مستوى التعليم وتحسن شروط العيش.
فالنساء اللواتي يتمتعن بمستوى تعليمي مرتفع يستفدن من متابعة طبية شبه شاملة أثناء الحمل، بنسبة تصل إلى 99.6%، مقابل 82.6% فقط لدى غير المتمدرسات.
كما أن الولادات تحت إشراف طبي تكاد تكون معممة لدى المتعلمات، بينما تنخفض بشكل ملحوظ لدى النساء ذوات التعليم المحدود.
هذه الأرقام لا تعكس فقط تفاوتًا في الوعي الصحي، بل تكشف عن فجوة أعمق في الولوج إلى الخدمات، وفي القدرة على اتخاذ القرار داخل الأسرة.
تمدرس الفتيات… تقدم غير مكتمل
في جانب التعليم، تسجل المؤشرات بعض التقدم، حيث بلغ معدل تمدرس الفتيات بين 4 و5 سنوات حوالي 71.1% سنة 2025، مع مفارقة لافتة تتمثل في تسجيل نسب أعلى في الوسط القروي مقارنة بالحضري.
لكن هذا التقدم يتعثر عند المراحل العليا، إذ لا يتجاوز معدل التمدرس في التعليم العالي 53.1%، فيما يظل الالتحاق بالتعليم الثانوي التأهيلي محدودًا لدى الفتيات القرويات، خاصة بين 15 و17 سنة.
وهنا تبرز إشكالية الاستمرارية: الولوج إلى المدرسة لم يعد التحدي الأكبر، بل ضمان البقاء داخل المنظومة التعليمية حتى مراحل متقدمة.
الأمية… الوجه الآخر للهشاشة
رغم كل البرامج والإصلاحات، ما تزال الأمية تمس حوالي ثلث النساء في المغرب (32.4%)، وترتفع بشكل مقلق في الوسط القروي إلى أكثر من نصف النساء (51.6%).
هذه الأرقام تعني أن ملايين النساء ما زلن خارج دائرة المعرفة، وهو ما ينعكس مباشرة على فرصهن في الشغل، وعلى استقلاليتهن الاقتصادية، وعلى مشاركتهن في الحياة العامة.
بين السياسات والواقع
ما تكشفه هذه المعطيات هو أن المغرب قطع أشواطًا مهمة في تحسين أوضاع النساء، لكنه لم ينجح بعد في تحقيق عدالة مجالية واجتماعية حقيقية.
فالتحسن المسجل يظل غير متكافئ، ومهددًا بأي أزمة اقتصادية أو اجتماعية جديدة.
إن تمكين النساء لا يمكن أن يظل رهين برامج ظرفية أو مؤشرات رقمية معزولة، بل يتطلب سياسات عمومية مندمجة، تضع في صلبها الحق في التعليم، والعمل اللائق، والحماية الاجتماعية، خاصة لفائدة النساء في العالم القروي.
وراء كل نسبة مئوية، توجد حكايات نساء يواجهن الهشاشة بصمت، ويصنعن الاستمرار رغم قلة الإمكانيات.
أما التحدي الحقيقي، فلا يكمن في تحسين الأرقام فقط، بل في تغيير الواقع الذي تنتجه هذه الأرقام.





