
في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب الترقب مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، عادت التعيينات في المناصب العليا إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط من حيث عددها المتزايد، بل أيضاً من حيث دلالاتها السياسية وتوقيتها. فالمتابع لمسار هذه التعيينات خلال الفترة الأخيرة يلاحظ وتيرة متسارعة، تثير أكثر من علامة استفهام حول الخلفيات الحقيقية التي تحكم هذا الورش المفترض فيه أن يكون مؤطراً بمعايير الشفافية وتكافؤ الفرص.
تعيينات بين التدبير العمومي وحسابات السياسة
تُسجل مؤشرات متقاطعة أن الحكومة الحالية ماضية في تكريس نمط تدبيري يربط بشكل غير مباشر بين تقلد المسؤوليات العليا والانتماء السياسي، خاصة داخل مكونات الأغلبية. ويبرز هذا التوجه من خلال ما يعتبره متتبعون “توزيعاً غير معلن” لمناصب المسؤولية بين الأحزاب الثلاثة المشكلة للتحالف الحكومي، بما يضمن لكل طرف موطئ قدم داخل مفاصل الإدارة.
هذا المعطى يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بحدود التداخل بين السياسي والإداري، في وقت يفترض فيه أن تكون الإدارة العمومية فضاءً محايداً، قائماً على الاستمرارية والكفاءة، وليس مجالاً لتصفية التوازنات الحزبية أو إعادة إنتاج النفوذ السياسي داخل أجهزة الدولة.
تساؤلات حول معايير الانتقاء
وتتزايد حدة الجدل عندما يتعلق الأمر بمعايير التعيين، حيث يُطرح بقوة سؤال الكفاءة والخبرة مقابل الولاء والانتماء. فهل تخضع هذه المناصب لمساطر تنافسية شفافة تضمن تكافؤ الفرص بين الأطر المغربية؟ أم أن منطق القرب الحزبي والعلاقات الشخصية ما يزال يلعب دوراً حاسماً في الحسم؟
عدد من الفاعلين يعتبرون أن غياب وضوح المعايير يفتح الباب أمام التأويلات، ويضعف ثقة المواطنين في جدوى الإصلاحات الإدارية التي تم الترويج لها خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً تلك المرتبطة بتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
رهانات ما قبل الانتخابات
اللافت في هذه المرحلة أن التعيينات تأتي قبل أشهر قليلة من موعد انتخابي حاسم، ما يعزز فرضية توظيفها كآلية لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة، وضمان حضور إداري موازٍ للتموقع السياسي. وهو ما قد يمنح بعض الأحزاب أفضلية غير مباشرة، من خلال توسيع شبكات النفوذ داخل المؤسسات العمومية.
هذا التداخل بين الزمن الإداري والزمن الانتخابي يثير بدوره نقاشاً حول أخلاقيات التدبير العمومي، ومدى احترام مبدأ حياد الإدارة، خاصة في سياق يفترض فيه أن تكون كل مؤسسات الدولة على نفس المسافة من مختلف الفاعلين السياسيين.
بين النص الدستوري والممارسة
ينص الدستور المغربي بوضوح على مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الوظائف العمومية. غير أن التحدي الحقيقي يظل في مدى ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسات فعلية، بعيدة عن منطق الريع السياسي أو إعادة إنتاج النخب وفق الولاءات.
في المحصلة، يبقى ورش التعيينات في المناصب العليا اختباراً حقيقياً لمدى التزام الحكومة بخطاب الإصلاح، وقدرتها على القطع مع ممارسات طالما أثارت الجدل. فإما أن تتحول هذه التعيينات إلى رافعة لتحديث الإدارة وتعزيز نجاعتها، أو أن تستمر كأداة لإعادة توزيع النفوذ، في مشهد يعيد طرح نفس الأسئلة القديمة بصيغ جديدة.





