الرئسيةصحةمجتمع

عجز صيدلاني يكشف هشاشة السيادة الصحية

تكشف الأرقام الحديثة الصادرة عن يوروستات حقيقة اقتصادية يصعب تجميلها بالبلاغات الرسمية أو تغليفها بشعارات “السيادة الصحية“.. فالمغرب ما يزال زبونًا كبيرًا في سوق الدواء والتجهيزات الطبية الأوروبية، بينما حضوره كمصدر في هذا المجال لا يزال أقرب إلى الهامش منه إلى الشراكة المتوازنة، حيث بلغت قيمة واردات المملكة من المنتجات الطبية والصيدلانية القادمة من الاتحاد الأوروبي أكثر من 660 مليون يورو خلال السنة الماضية، في حين لم تتجاوز صادراته نحو السوق نفسها 21.5 مليون يورو فقط، وهي فجوة لا تُشبه “اختلالاً ظرفياً” بقدر ما تشبه اعتماداً بنيوياً على سوق يملك الدواء والقرار والسعر معاً.

عجز صحي بطابع اقتصادي

حين تستورد دولة ما هذا الحجم من الأدوية والمستلزمات الطبية، فالأمر لا يتعلق فقط بالتبادل التجاري، بل بمسألة أمن صحي أيضًا.. فكل اضطراب في سلاسل التوريد، أو ارتفاع في أسعار النقل والطاقة، أو توتر سياسي بين الأسواق الكبرى، قد يتحول سريعًا إلى ضغط مباشر على أسعار العلاج داخل الصيدليات والمصحات، وهنا يظهر المواطن كأضعف حلقة في سلسلة عالمية لا يملك فيها سوى أداء الفاتورة.

و رغم تجاوز نفقات المغرب في الصحية العمومية والخصوصية عشرات المليارات من الدراهم سنويًا، يجد نفسه مضطرًا لتمويل جزء معتبر من حاجياته الدوائية بالعملة الصعبة.. وفي زمن يتسع فيه عجز الميزان التجاري وتزداد فيه الحاجة إلى العملة الأجنبية، تصبح كل شحنة دواء مستوردة ضرورة صحية من جهة، وعبئًا ماليًا من جهة أخرى.

صناعة محلية بإمكانات كبيرة… ونتائج متواضعة

المفارقة أن المغرب لا ينطلق من الصفر، فالبلاد تتوفر على قاعدة صناعية دوائية مهمة مقارنة بعدد من دول المنطقة، إذ تشير تقديرات مهنية إلى أن الصناعة المحلية تغطي نسبة معتبرة من حاجيات السوق الداخلية في بعض الأصناف، كما تضم عشرات الوحدات الصناعية ومئات العلامات المنتجة، غير أن الانتقال من تصنيع موجّه للاستهلاك الداخلي إلى صناعة تنافس داخل الأسواق الأوروبية يظل مسارًا شاقًا تصطدم فيه الطموحات بمعايير الجودة الصارمة، وكلفة البحث العلمي، وضعف الاستثمار في الابتكار.

وفي عالم الدواء، لا يكفي امتلاك مصنع وآلات تعبئة، فالمطلوب مختبرات متقدمة، وبراءات اختراع، وتجارب سريرية، وقدرة على تطوير منتجات جديدة، وهي المجالات التي ما تزال فيها الفجوة واسعة بين الشمال والجنوب.

أوروبا تربح… والآخرون يستهلكون

يبدو المشهد أكثر وضوحًا على الجانب الأوروبي، فقد تجاوزت صادرات الاتحاد الأوروبي من المنتجات الطبية والصيدلانية نحو العالم 366 مليار يورو خلال العام الماضي، مقابل واردات بلغت 145.7 مليار يورو، ما أنتج فائضًا تجاريًا قياسيًا يفوق 220 مليار يورو.. إنها صناعة لا تبيع الدواء فقط، بل تبيع المعرفة والتكنولوجيا والنفوذ الاقتصادي أيضًا.

من سوق استهلاكية إلى قوة إنتاجية

السؤال الحقيقي ليس لماذا يستورد المغرب، بل لماذا لم يتحول بعد إلى مصدر قوي في قطاع يملك فيه مؤهلات بشرية وصناعية واعدة.. ما نحتاجه يتجاوز الخطابات الاحتفالية إلى سياسة صناعية جريئة تربط الجامعة بالمختبر، وتدعم البحث والتطوير، وتمنح المستثمر الجاد حوافز واضحة، وإلى أن يحدث ذلك، سيظل المغرب يشتري العلاج من الخارج… ويؤجل علاج اختلالاته من الداخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى