الرئسيةمجتمع

نقاش جهوي..مساطر معقدة تعرقل إنصاف النساء

في سياق تخليد اليوم العالمي للمرأة، احتضنت مدينة الدار البيضاء، يوم الخميس 26 مارس 2026، مائدة مستديرة نظمتها اللجنة الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بجهة الدار البيضاء ـ سطات، تحت شعار “العدالة المنصفة: مسارات في أفق تمكين النساء والفتيات للعدالة”.. لقاء لم يكن مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل محطة حقوقية تعكس تحولا في مقاربة قضايا النساء، من التوصيف إلى مساءلة السياسات العمومية واقتراح البدائل.

إرادة مؤسساتية لإعادة طرح سؤال العدالة

جاء تنظيم هذه المائدة المستديرة في سياق دينامية وطنية يقودها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تروم إعادة بناء تصور شامل لولوج النساء والفتيات إلى العدالة، بما يتجاوز المقاربة القانونية الضيقة نحو رؤية متعددة الأبعاد، وقد شكل اللقاء فرصة لإثراء النقاش العمومي حول الإشكالات البنيوية التي ما تزال تعرقل تحقيق مساواة فعلية، رغم التقدم التشريعي الملحوظ.. ويعكس اختيار هذا الموضوع إدراكا متزايدا بأن العدالة، في بعدها العملي، لا تقاس فقط بالنصوص، بل بمدى قدرة النساء على الوصول إليها والاستفادة منها دون عوائق.

بين النص القانوني وواقع الفجوة

ركزت المداخلات على تحليل الإطار القانوني الوطني، حيث تم التأكيد على وجود مكتسبات تشريعية مهمة راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، غير أن هذه المكتسبات تصطدم بواقع فجوة واضحة في المساواة الفعلية، فالانتقال من النص إلى الممارسة يظل رهينا بعوامل متعددة، منها ضعف التفعيل، وتباين التأويلات، وغياب آليات فعالة للمواكبة.. وهذا التناقض بين “عدالة مكتوبة” و”عدالة معيشة” يعيد طرح سؤال النجاعة القانونية، ويدعو إلى مراجعة شاملة لكيفية تنزيل القوانين بما يضمن حماية فعلية للنساء والفتيات.

المساطر القضائية: حين تتحول العدالة إلى مسار معقد

أما المحور الثاني، فقد سلط الضوء على المساطر القضائية، التي غالبا ما تتحول إلى عائق بدل أن تكون جسرا نحو الإنصاف، فقد أبرز المتدخلون أن تعقيد الإجراءات، وطول أمد التقاضي، وضعف الولوج إلى المعلومة القانونية، كلها عوامل تحد من قدرة النساء على الدفاع عن حقوقهن.

كما وتمت الإشارة إلى ضرورة تطوير آليات المواكبة القانونية والدعم النفسي والاجتماعي، باعتبارها عناصر أساسية لضمان ولوج فعلي للعدالة، خاصة بالنسبة للفئات الهشة.

عوائق بنيوية وثقافية تعمق الهشاشة

لم يغفل النقاش التطرق إلى العوائق البنيوية والاجتماعية والثقافية التي تكرس التمييز، حيث تم التأكيد على أن بعض التمثلات المجتمعية والصور النمطية ما تزال تؤثر بشكل مباشر على مسار النساء داخل منظومة العدالة.. فالفقر، والهشاشة، وضعف التمكين الاقتصادي، كلها عوامل تتقاطع لتجعل من العدالة امتيازا أكثر منها حقا متاحا للجميع.

وفي هذا السياق، شدد المشاركون على ضرورة اعتماد مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار هذه الأبعاد المركبة، بدل الاكتفاء بإصلاحات قانونية معزولة.

توصيات ترافعية في أفق التغيير

أفضت أشغال المائدة المستديرة إلى صياغة مجموعة من التوصيات، انبثقت عن تفاعل واسع مع مكونات المجتمع المدني والفاعلين المؤسساتيين بالجهة، وتكتسي هذه التوصيات أهمية خاصة، باعتبارها تعكس واقع التنوع المجالي وتفاوتات الولوج إلى العدالة داخل الجهة.

وستشكل هذه المخرجات أرضية للترافع المؤسساتي الذي يقوده المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بهدف الدفع نحو سياسات عمومية أكثر إنصافا وفعالية، قادرة على تقليص الفجوة بين النص والممارسة.

ما بعد النقاش: اختبار الإرادة السياسية

يتجاوز هذا اللقاء طابعه التداولي ليطرح رهانا حقيقيا يتعلق بمدى ترجمة هذه النقاشات إلى سياسات وإجراءات ملموسة، فالعدالة المنصفة للنساء ليست شعارا مناسباتيا، بل ورشا بنيويا يتطلب إرادة سياسية قوية، وتنسيقا مؤسساتيا، وانخراطا مجتمعيا واسعا.

وبينما تتواصل المبادرات الحقوقية، يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من التشخيص إلى الفعل، ومن التوصية إلى الإنجاز، في أفق بناء منظومة عدالة تضمن للنساء والفتيات ليس فقط الحق في الولوج، بل الحق في الإنصاف الفعلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى