
يواصل المغاربة مواجهة موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار اللحوم الحمراء، حيث بلغ سعر الكيلوغرام من لحم الغنم مستويات قياسية وصلت إلى 130 درهما في أسواق الجملة، وما يفوق 150 درهما عند البيع بالتقسيط، في سياق يطرح تساؤلات متزايدة حول أسباب هذا الارتفاع واستمرارِه رغم الدعم العمومي الموجه للكسابة والمستوردين.
غلاء يعكس اختلالات أعمق في بنية القطاع
لم يعد هذا الغلاء يُفسّر فقط بالعوامل المناخية، مثل توالي سنوات الجفاف، بل بات يعكس اختلالات أعمق في بنية القطاع.
فرغم التحسن النسبي في التساقطات المطرية خلال الموسم الحالي، والذي كان يُفترض أن يخفف الضغط على كلفة الإنتاج، استمرت الأسعار في الارتفاع، ما يعزز فرضية وجود عوامل أخرى تتحكم في السوق.
أول هذه العوامل يرتبط بتراجع العرض، حيث فضل عدد من المربين الاحتفاظ بالماشية وعدم طرحها في الأسواق، إما انتظارا لارتفاع الأسعار أو تحسبا لمواسم يزداد فيها الطلب، وعلى رأسها عيد الأضحى.
هذا السلوك ساهم في تقليص الكميات المتاحة، ودفع الأسعار نحو الارتفاع بشكل ملحوظ.
تبرز اختلالات سلاسل التوزيع والتسويق كعامل حاسم، في ظل اتهامات بتفشي المضاربة وهيمنة الوسطاء (الفراقشية) على مسارات البيع، ما يؤدي إلى تضخيم الأسعار بين المنتج والمستهلك.
كما أن ضعف آليات المراقبة والتتبع يتيح لهذه الممارسات الاستمرار دون رادع فعال.
في هذا الإطار، يثير الدعم العمومي الموجه للقطاع جدلا واسعا بشأن نجاعته وحسن توجيهه، فبدل أن ينعكس على استقرار الأسعار وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، تشير معطيات ميدانية إلى أن جزءا كبيرا منه لا يصل إلى الفئات المستهدفة، بل يستفيد منه الوسطاء بشكل غير مباشر، ما يفرغ هذا الدعم من أهدافه الاجتماعية والاقتصادية.
“سياسات غير متوازنة” في تدبير القطاع
إلى جانب ذلك، يتحدث مهنيون عن “سياسات غير متوازنة” في تدبير القطاع، معتبرين أن التركيز على حلول ظرفية، كدعم الاستيراد، لم يعالج جذور الأزمة المرتبطة بالإنتاج المحلي، وتكاليف الأعلاف، وتنظيم السوق.
ولا يخلو المشهد من مفارقة لافتة تتعلق بسلوك المستهلك، إذ يُلاحظ أحيانا استمرار الطلب أو حتى ارتفاعه رغم غلاء الأسعار، مقابل تراجعه في فترات انخفاضها، وهو ما يعقد من آليات ضبط السوق ويزيد من صعوبة التنبؤ بتطوراته.
في المحصلة، يكشف استمرار غلاء اللحوم الحمراء عن أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل العرض والطلب مع اختلالات هيكلية في سلاسل الإنتاج والتوزيع، إلى جانب محدودية أثر الدعم العمومي، ما يستدعي إعادة تقييم شاملة للسياسات المعتمدة، وتعزيز آليات الحكامة والمراقبة لضمان تحقيق التوازن داخل السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.





