الرئسيةبيئةمجتمع

اعتراف أممي..شفشاون نحو صفر نفايات

برزت مدينة شفشاون، في مشهد دولي يتسارع فيه السباق نحو الاستدامة، كأحد النماذج الصاعدة بعد اختيارها ضمن قائمة الأمم المتحدة لأفضل 20 مدينة رائدة عالميًا في الانتقال نحو “صفر نفايات”، و يعكس هذا التصنيف تحولات ميدانية عميقة في طريقة تدبير المدينة لمواردها ونفاياتها، في سياق عالمي يواجه تحديات بيئية متفاقمة بفعل التوسع الحضري والاستهلاك المتزايد.

رهان “صفر نفايات” بين الطموح والواقع

يعتمد مفهوم “صفر نفايات” الذي تروج له برنامج الأمم المتحدة للبيئة على تقليص إنتاج النفايات إلى أدنى حد ممكن عبر إعادة الاستخدام والتدوير وتحسين سلاسل الإنتاج والاستهلاك، وفي حالة شفشاون، لم يكن هذا التوجه وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكم مبادرات محلية استهدفت تقليص النفايات المنزلية، وتحسين فرزها، وتشجيع الاقتصاد الدائري، وتشير معطيات دولية إلى أن المدن مسؤولة عن أكثر من 70% من النفايات الصلبة عالميًا، ما يجعل أي تحول على المستوى الحضري ذا أثر مضاعف.

غير أن الانتقال من إدارة تقليدية للنفايات إلى نموذج دائري يظل مسارًا معقدًا، يتطلب استثمارات مستمرة في البنية التحتية، وتغييرًا في سلوكيات السكان، إضافة إلى تأطير قانوني محفز.. وهنا تبرز شفشاون كحالة اختبار حقيقية لمدى قدرة المدن الصغيرة والمتوسطة على تحقيق هذا التحول رغم محدودية الموارد.

دينامية محلية تقود التحول البيئي

ما يميز تجربة شفشاون هو انخراط الفاعلين المحليين، من جماعات ترابية ومجتمع مدني ومقاولات ناشئة، في بلورة حلول مبتكرة.. فقد شهدت المدينة إطلاق مبادرات للتسميد العضوي، وتقليص البلاستيك أحادي الاستعمال، إلى جانب حملات تحسيسية تستهدف السكان والزوار على حد سواء، كما ساهم الطابع السياحي للمدينة في تعزيز هذا التوجه، حيث أصبح الحفاظ على نظافة البيئة عنصرًا من عناصر الجاذبية الاقتصادية.

وتُظهر تقارير بيئية أن المغرب ينتج سنويًا ملايين الأطنان من النفايات، لا يتم تدوير سوى نسبة محدودة منها، ما يجعل تجربة شفشاون استثناءً نسبيًا في مشهد وطني لا يزال في طور التحول،. ويضع هذا التميز المدينة في موقع ريادي، لكنه في الآن ذاته يضاعف من حجم التحديات المرتبطة بالحفاظ على هذا الزخم.

بين الاعتراف الدولي والتحديات البنيوية

يفتح الاعتراف الأممي أمام شفشاون آفاقًا جديدة، سواء من حيث جذب التمويلات الدولية أو تبادل الخبرات مع مدن أخرى رائدة، غير أن هذا التتويج يسلط الضوء أيضًا على إكراهات بنيوية، أبرزها محدودية الموارد المالية، والحاجة إلى تعميم التجربة على باقي المدن المغربية التي تعاني من ضغط ديمغرافي ونقص في البنيات التحتية.

في هذا السياق، تبدو شفشاون وكأنها تقدم درسًا في إمكانية تحقيق التحول البيئي انطلاقًا من مبادرات محلية، لكنها في الوقت ذاته تكشف مفارقة صارخة بين مدن تحاول اللحاق بركب الاستدامة، وأخرى لا تزال غارقة في تدبير تقليدي للنفايات، وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذا الاعتراف إلى سياسة عمومية شاملة، تجعل من “صفر نفايات” خيارًا وطنيًا لا مجرد تجربة معزولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى