اقتصادالرئسية

المغرب ثاني إفريقيا في استقرار الكهرباء

في مشهد إفريقي لا يزال يرزح تحت وطأة هشاشة البنيات الطاقية، يبرز المغرب كاستثناء نسبي، محتلاً المرتبة الثانية قارياً في استقرار الكهرباء سنة 2026 وفق تصنيف منصة “Pulse” المعتمد على معطيات متقاطعة من مؤسسات دولية واستطلاعات من بينها افريكو ميترو…

لا يعكس هذا الترتيب تقدماً تقنياً في تدبير الشبكة الكهربائية فقط، بل يكشف أيضاً عن تحول بنيوي في تصور الدولة لدور الطاقة كرافعة للتنمية، بعدما نجح المغرب في تحقيق تعميم شبه كامل للولوج إلى الكهرباء، وهو إنجاز ظل لعقود أحد أبرز أعطاب القارة حيث ما يزال أكثر من 600 مليون إفريقي خارج دائرة التزود المنتظم.

استثمارات خضراء… بين الطموح والرهانات

تقف وراء هذا التقدم استثمارات ضخمة في الطاقات المتجددة، يتقدمها مشروع نور بورزازات الذي تحول إلى رمز للانتقال الطاقي المغربي رغم الاعطاب التي يعيشها، فهذا المشروع لم يكن مجرد استجابة لرهانات بيئية، بل جاء كخيار استراتيجي لتقوية مرونة الشبكة الكهربائية في مواجهة التقلبات، خاصة في ظل ارتفاع الطلب الداخلي وتذبذب الأسواق العالمية للطاقة، كما أن التوسع في الطاقة الريحية والاعتماد الجزئي على الغاز أسهما في خلق مزيج طاقي متنوع، يحد من المخاطر المرتبطة بالاعتماد الأحادي، ويمنح المنظومة قدرة أكبر على ضمان استمرارية الإمدادات، فوفق معطيات منشورة من جهات حكومية مرتبطة بقطاع الطاقة، تبلغ القدرة الكهربائية المتجددة المركبة في المغرب 4,550 ميغاواط، أي 38.2% من إجمالي القدرة المركبة، مع هدف مرفوع إلى 56% بحلول 2030، وخطة للوصول إلى 10.5 جيغاواط من الطاقات المتجددة

تنظيم صارم… ورأس مال يبحث عن الربح

لا يمكن فصل هذا الأداء عن الإطار التنظيمي الذي عملت الدولة على تحديثه، حيث أصبح القطاع أكثر جاذبية للاستثمارات الخاصة، سواء المحلية أو الأجنبية، انفتاحٌ لم يكن بريئاً بالكامل، إذ يطرح تساؤلات حول كلفة الكهرباء على المستهلك النهائي، وحدود التوازن بين الربح والاستدامة، ورغم أن هذه الدينامية عززت الأمن الطاقي على المدى الطويل، فإنها تكشف في الآن ذاته عن مفارقة قائمة بين خطاب التنمية وواقع القدرة الشرائية، خاصة في ظل الضغوط الاجتماعية المتزايدة.

إفريقيا في الظل… والمغرب في منطقة الضوء

كما يسلط هذا التصنيف الضوء على التفاوت الصارخ داخل القارة، حيث لا تزال الكهرباء امتيازاً أكثر منها حقاً في العديد من الدول، وفي هذا السياق، يبدو المغرب جزءاً من محور شمال إفريقي يتقدم بخطى أسرع، إلى جانب مصر التي تصدرت الترتيب بفضل بنيتها التحتية المتطورة، وتونس التي جاءت خلف المغرب، و يعكس هذا التموقع الإقليمي تقاطع الإرادة السياسية مع التخطيط الاستراتيجي، لكنه لا يخفي هشاشة التوازنات، خاصة في ظل التحديات المناخية والضغوط الجيوسياسية.

ما وراء الضوء: اقتصاد، مجتمع، وسياسة

الأهمية هنا ليست تقنية فقط؛ فالكهرباء المستقرة تعني إنتاجا صناعيا أقل كلفة، وخدمات عمومية أكثر انتظاما، ومدارس ومراكز صحية أقل ارتباكا.. لكنها تعني أيضا شيئاً سياسيا أبعد: دولة قادرة على التخطيط، وعلى جذب الاستثمار عبر إطار تنظيمي ثابت لا يبدل قواعد اللعبة كل موسم، وفي المقابل، تذكّر الوكالة الدولية للطاقة بأن إفريقيا تحتاج قرابة 25 مليار دولار سنويا لتمويل الولوج إلى الطاقة، وأن ثمن التأخر في هذا الملف لا يُقاس فقط بالظلام، بل أيضا بالنمو المهدور والفرص الضائعة، وهنا تبدو المفارقة المغربية واضحة: بلد نجح في إضاءة بيته الداخلي، لكنه لا يزال مطالبا بتقوية استقلاله الطاقي حتى لا يبقى رهينة الاستيراد وتقلبات السوق.

استقرار معلن… وأسئلة مؤجلة

رغم الأرقام الإيجابية، يبقى مفهوم “استقرار الكهرباء” نسبياً، إذ يرتبط ليس فقط بتوفر الخدمة، بل أيضاً بجودتها وكلفتها واستدامتها، فهل يكفي الترتيب القاري لإعلان نجاح النموذج الطاقي المغربي، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاستقرار إلى عدالة طاقية تشمل الجميع؟ بين إنجازات تقنية واضحة وتساؤلات اجتماعية معلقة، يظل ملف الكهرباء في المغرب مرآة تعكس طموح دولة تسابق الزمن، لكنها لم تحسم بعد في كيفية توزيع ثمار هذا السباق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى