الرئسيةرأي/ كرونيك

سي برادة: 80% نساء في التعليم…رقم مقلق أم نجاح؟

بقلن الصحافي والروائي خالد أخازي

نشوة سياسية بلغت حد التباهي الإعلامي الموجه، أشعرنا بها وزير التربية الوطنية سي برادة كالعادة بابتسامته العريضة وعربيته المهنكة..معلنا وعيناه تبرقان عما يعتقد أنه إنجاز تقني رقمي مؤشراتي ….
“الوزارة حققت نسبة تقارب ثمانين في المائة من النساء في قطاع التعليم…”
جيد…. لنتوقف قليلا…
فالأمر يبدو في ظاهره إنجازا، وهو بدون شك تتويج لمسار نضالي طويل من أجل تمكين المرأة المغربية وضمان ولوجها إلى الوظيفة العمومية…

جرس إنذار يعلن عن خلل بنيوي صامت ينخر جسد المنظومة التربوية

لكن، وحين ننزع عن هذا المعطى الإحصائي بريقه العابر ونضعه تحت مجهر النقد والتحليل السوسيولوجي، يتحول من مدعاة للفخر الرسمي والسياسي إلى جرس إنذار يعلن عن خلل بنيوي صامت ينخر جسد المنظومة التربوية.

هنا لا نصادر حق النساء في التألق، ولا نبخس المدرسات كفاءتهن التي تقف وراء صمود مدرسة عمومية منهكة، بل نمارس حقنا في المساءلة النقدية الهادئة.

هل نحن أمام انتصار حقوقي أم أمام انزياح ديموغرافي يهدد التوازن التربوي، وكيف لمنظومة تدعي السعي نحو الجودة أن تبني صرحها على أساس تمثيل مبتور للنماذج الإنسانية.

تاريخيا، ظل قطاع التعليم في المغرب البوابة الكبرى التي عبرت منها المرأة نحو الاستقلال الاقتصادي والتحرر الاجتماعي.

لقد كانت المدرسة العمومية، منذ فجر الاستقلال، هي الفضاء الأكثر أمانا واستقرارا لإدماج النساء في دورة التحول والتحديث، وهو ما يعكس تحولا إيجابيا في بنية المجتمع المغربي.

المدرسة ليست بناية تدريس ومقررات تلقن بقوة السلطة الإدارية… هي مجتمع مصغر

غير أن هذا التدفق المستمر، الذي تحول مع مرور السنوات إلى هيمنة شبه مطلقة، ينقل النقاش من حقل السوسيولوجيا إلى حقل البيداغوجيا وعلم النفس التربوي.

فالمدرسة ليست بناية تدريس ومقررات تلقن بقوة السلطة الإدارية… هي مجتمع مصغر، ومشتل تتشكل فيه الهويات وتبرز فيه معالم الشخصية عبر آلية التماهي التي نبه إليها التحليل النفسي.

الطفل لا يتشرب المعرفة فحسب، بل يستبطن النماذج البشرية التي تتفاعل معه. وحين يغيب النموذج الذكوري عن هذا الفضاء، خصوصا في المراحل الابتدائية الحاسمة، فإننا نضع الطفل الذكر أمام فراغ رمزي مهول.

هذا الفراغ ليس له مخاطره، فهو واقع قد يترجمه العزوف المتزايد للذكور عن المدرسة والارتفاع المخيف لنسب الهدر المدرسي، مقارنة بالإناث، وهو معطى تعاني منه البوادي وهوامش المدن المغربية بشكل لافت.

التلميذ الذكر، في غياب قدوة ذكورية قريبة وملموسة داخل الفصل، قد يسقط في فخ التماهي الناقص، أو ما هو أسوأ، التماهي المضاد الذي يترجم إلى سلوكات عدوانية ورفض لاشعوري لسلطة المدرسة….

الاصطدام بين ثقافة الشارع وسلطة القسم يخلق توترا نفسيا لا يعالج بالمذكرات الوزاري

ما يعقد منظومة العلائق السوسيو- تربوية هو التناقض الصارخ بين ما يعيشه التلميذ في مجتمع مغربي لا يزال يرزح في كثير من جوانبه تحت وطأة تمثلات ذكورية تقليدية، وبين فضاء مدرسي تؤنث فيه السلطة بشكل شبه كامل.

هذا الاصطدام بين ثقافة الشارع وسلطة القسم يخلق توترا نفسيا لا يعالج بالمذكرات الوزارية ولا بالخطابات الرسمية، بل يعالج بإعادة التوازن الطبيعي للمؤسسة التعليمية.

لنوسع زاوية النظر نحو التجارب الدولية، حتى لا نبقى أسرى نظرة محلية ضيقة، إن ما يعتبر برادة اليوم في المغرب إنجازا يدعو للتباهي أمام عدسات الكاميرات، فطنت عدة دول أخرى إلى كونه عرض لأزمة وطنية تستدعي الاستنفار والتدخل العاجل….

في هذا السياق وفي بريطانيا وأستراليا مثلا، دق الخبراء ناقوس الخطر منذ سنوات بعد أن كشفت الدراسات المتخصصة التأثير السلبي والمباشر لغياب المدرسين الرجال داخل الحياة المدرسية والفعل البيداغوجي ذي التأثير القيمي والنفسي والاجتماعي والتواصلي والمعرفي والسلوكي على التحصيل الدراسي للذكور وعلى بناء سلوكهم الاجتماعي المتوازن…

هناك، دشنت الحكومات حملات وطنية بميزانيات ضخمة تحت شعارات صريحة تطالب بعودة الرجال إلى فصول التدريس، وتوفر حوافز استثنائية لكسر الاحتكار النسوي للمهنة وإعادة التنوع إلى قاعات الدرس.

هذه الدول أدركت مبكرا أن غياب الرجل عن التعليم الابتدائي يصنع أجيالا من الذكور فاقدين للبوصلة السلوكية داخل المحيط المدرسي.

وفي سياق مماثل… ففي الدول الإسكندنافية، وعلى رأسها فنلندا التي تعتبر قبلة العالم ومختبره الأول في جودة التعليم، فإن هندسة الموارد البشرية تخضع لتخطيط علمي دقيق يمنع طغيان جنس على آخر.

هذا الحرص لا ينطلق من عقلية ذكورية تسعى لتقليص فرص النساء، بل ينطلق من إيمان راسخ وحقيقي بأن الفصل الدراسي يجب أن يكون مرآة تعكس تنوع المجتمع الفعلي، وأن اختلال هذا التوازن هو اعتداء مباشر على حق الطفل في بيئة تربوية مكتملة النماذج.

الفنلنديون ينظرون إلى التوازن الجندري في سلك التدريس كأحد أعمدة الجودة، تماما كجودة المناهج وتجهيز المدارس، لأنهم يدركون أن بناء العقل البشري يحتاج إلى تفاعل مع طيف متكامل من الشخصيات والأساليب التربوية.

في فرنسا قدوتنا… ومرجعية” برادة وفريقه”، طفا هذا النقاش الساخن على السطح حين ربط باحثون في سوسيولوجيا التربية بين تأنيث مهنة التعليم وتراجع السلطة الرمزية للمدرس، وميل الدولة العميقة، بوعي أو بدونه، إلى تبخيس المهن التي تغلب عليها الإناث من الناحية المادية والاعتبارية.

وهذا التفسير السوسيولوجي يحيلنا مباشرة على الواقع المغربي الهش، حيث يتزامن هذا التأنيث الكاسح لقطاع التعليم مع تراجع غير مسبوق في الجاذبية الاجتماعية والمادية لمهنة التدريس.

لقد تحولت المهنة في المخيال الشعبي، مع توالي الأزمات وتجميد الأجور وتدهور ظروف العمل، إلى وظيفة نسائية تلجأ إليها النساء بحثا عن الأمان المفقود، مما ينفر الكفاءات الذكورية التي تتجه نحو قطاعات ومجالات أخرى بحثا عن وضع اعتباري أفضل ودخل أكثر استقرارا. هكذا نجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة ومدمرة، تأنيث متزايد يقابله تراجع في الجاذبية، مما يؤدي إلى عزوف مستمر للرجال، وتكريس أعمق للخلل.

ضرورة تجاوز سطحية الأرقام وقراءتها في أبعادها الفلسفية والاجتماعية والتربوية

سي برادة… مطالب بالحذر وبتبني رؤية شاملة…للتعامل مع هذه الظاهرة التي تطلب تجاوز سطحية الأرقام وقراءتها في أبعادها الفلسفية والاجتماعية والتربوية. فسيطرة الإناث على أقسام الدراسة في المغرب ليست مؤشرا معزولا، بل هي انعكاس لتحولات عميقة في بنية الاقتصاد السياسي للتعليم.

فتخلى الدولة عن الاستثمار الحقيقي في المدرسة العمومية، وتراجع مكانة المدرس في سلم القيم الاجتماعي، جعلا المهنة طاردة للذكور الذين يعانون من ضغوط اجتماعية أكبر لتوفير الإعالة في مجتمع لا يزال يعتبر الرجل هو المعيل الأساس للأسرة.

هذا التقاطع بين الاقتصادي والتربوي يضعنا أمام مفارقة مؤلمة، ففي الوقت الذي نعتقد فيه أننا نتقدم نحو المساواة، نحن في الواقع نعيد إنتاج التفاوتات بطرق أكثر تعقيدا وخطورة على مستقبل الأجيال.

الخروج من هذه المتاهة المظلمة لا يكون بالتصفيق للأرقام المغرية التي تخفي وراءها أعطابا بنيوية قاتلة، ولا يكون بردود فعل تراجعية تصادر مكتسبات المرأة المغربية أو تشكك في جدارتها، بل يكمن الحل في امتلاك الشجاعة السياسية الكافية للاعتراف بأننا أمام اختلال خطير يحتاج إلى هندسة عكسية دقيقة.

الدولة مطالبة اليوم بصياغة سياسات استقطاب ذكية ومبتكرة تعيد الجاذبية المفقودة لمهنة التعليم

الدولة مطالبة اليوم بصياغة سياسات استقطاب ذكية ومبتكرة تعيد الجاذبية المفقودة لمهنة التعليم، وتجعلها خيارا استراتيجيا ومغريا للشباب والكفاءات من كلا الجنسين. يجب إعادة الاعتبار المادي والرمزي الحقيقي للمدرس، بعيدا عن لغة التباهي المؤشراتي والوعود المؤجلة، وتفكيك الصور النمطية التي ألصقت بالمهنة وحولتها إلى ملاذ لمن لا ملاذ له.

المدرسة المغربية في جوهرها لا تحتاج إلى التأنيث المطلق ولا إلى التذكير المتعسف، بل تحتاج ببساطة إلى أن تشبه الحياة التي تضج خارج أسوارها. والحياة، بكل تعقيداتها وتناقضاتها وجمالها، لا تستقيم ولا تزدهر إلا بتكامل الوجوه والأصوات والنماذج والأساليب.

حين يصبح الفصل الدراسي مختبرا حقيقيا يعكس نبض المجتمع المغربي وتعدديته، وحين يجد التلميذ، ذكرا كان أو أنثى، طيفا واسعا من النماذج البشرية التي تلهمه وتوجهه، حينها فقط يمكن لبرادة أن يقف أمام عدسات الكاميرا ليبتسم ويفخر.

فخر لا ينبني على رقم إحصائي أصم وجاف، بل ينبني على منظومة تربوية حية ونابضة، تصنع الإنسان المتوازن وتعده لمواجهة عالم لا يعترف إلا بالتكامل والكفاءة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى