
°تحرير: جيهان مشكور
أصدرت المحكمة الابتدائية التجارية بالدار البيضاء حكماً لافتاً أعاد إلى الواجهة أهمية القضاء التجاري المغربي في حماية الحقوق التعاقدية وضمان استقرار المعاملات الاقتصادية، في وقت تتزايد فيه النزاعات التجارية العابرة للحدود وتتعقد فيه العلاقات بين الشركات الدولية، فقد نجحت شركة “لوسيور كريستال”، إحدى أبرز الفاعلين في الصناعات الغذائية بالمغرب، في كسب معركة قضائية ضد شركة “ياندي”، بعدما قضت المحكمة بأدائها ما يفوق 4.24 ملايين أورو، أي ما يعادل أكثر من 46 مليون درهم مغربي، مع الفوائد القانونية وفسخ عقد البيع الرابط بين الطرفين.
نزاع مالي ضخم يكشف حساسية المعاملات التجارية الدولية
الحكم الصادر بتاريخ 11 يونيو 2026 لم يكن مجرد قرار قضائي عادي يتعلق بمستحقات مالية، بل يعكس حجم الرهانات الاقتصادية المرتبطة بالعقود التجارية الدولية، فالمبلغ المحكوم به يوازي استثمارات مهمة بالنسبة للعديد من المقاولات المتوسطة، ويعكس في الوقت نفسه حجم المخاطر التي قد تنجم عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية في عالم الأعمال.
وبحسب منطوق الحكم القطعي رقم 6976، فقد ألزمت المحكمة شركة “ياندي” بأداء مبلغ 4.246.807,99 أورو لفائدة “لوسيور كريستال”، أو ما يعادله بالدرهم المغربي وفق سعر الصرف المعتمد بتاريخ 24 نونبر 2023، مع احتساب الفوائد القانونية إلى حين التنفيذ الكامل للحكم، إضافة إلى فسخ عقد البيع وتحميل الطرف المدعى عليه المصاريف القضائية.
القضاء التجاري المغربي أمام اختبار الثقة والاستثمار
لا يمكن فصل هذا الحكم عن السياق الأوسع المتعلق بجاذبية مناخ الأعمال بالمغرب، فالتقارير الدولية الصادرة خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن فعالية القضاء وسرعة البت في النزاعات التجارية تعدان من أهم المؤشرات التي يعتمدها المستثمرون عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
ورغم الانتقادات التي توجه أحياناً إلى بطء المساطر القضائية، فإن هذا الملف يُظهر في المقابل قدرة المؤسسات القضائية على تدبير نزاعات مالية معقدة ذات طابع دولي، خصوصاً أن القضية مرت عبر مراحل إجرائية متعددة شملت التبليغ عبر البريد الدولي وتبادل المذكرات الجوابية والتعقيبية ومنح فرص للصلح بين الطرفين قبل الوصول إلى مرحلة المداولة.
من عقد تجاري إلى معركة استمرت قرابة سنة كاملة
بدأت فصول القضية رسمياً بتاريخ 29 يوليوز 2025، حين تم تسجيل الملف بالمحكمة التجارية بالدار البيضاء، ومنذ ذلك الحين، توالت الجلسات والإجراءات القانونية المرتبطة بالملف، في مسار يعكس تعقيد النزاعات التجارية الدولية التي تتطلب احترام مقتضيات قانونية متعددة وضمان حقوق جميع الأطراف.
وبعد أشهر من التداول، أُدرج الملف في المداولة يوم 4 يونيو 2026، قبل أن يصدر الحكم النهائي بعد أسبوع واحد فقط، منهياً بذلك نزاعاً مالياً كبيراً كانت تداعياته تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد خلاف تجاري.
رسالة قوية إلى الأسواق
ورغم أن القضية تبدو في ظاهرها نزاعاً بين شركتين حول تنفيذ عقد بيع، فإنها تحمل رسائل أبعد من ذلك.. فالأحكام القضائية من هذا النوع تشكل مؤشراً عملياً على أن العلاقات التجارية الدولية لم تعد قائمة فقط على الثقة المتبادلة، بل أصبحت محكومة أيضاً بقدرة المؤسسات القضائية على فرض احترام الالتزامات التعاقدية.
وفي ظل المنافسة الإقليمية الشرسة على جذب الاستثمارات، يمثل هذا الحكم نموذجاً لحضور القضاء التجاري كفاعل أساسي في حماية الأمن الاقتصادي، وضمان استقرار المعاملات، وتأكيد أن العقود المبرمة بين الشركات ليست مجرد أوراق قابلة للتأويل، بل التزامات قانونية قد تترتب عن الإخلال بها كلفة مالية باهظة تصل إلى عشرات الملايين من الدراهم.





