
سلّطت صحيفة إل إسبانيول الضوء على تجربة مغربية لافتة في مجال تدبير الموارد المائية، تقوم على تقنية “حصاد الضباب” بمرتفعات الأطلس الصغير، في نموذج يعكس تحولا تدريجيا نحو حلول بيئية غير تقليدية في مواجهة أزمة الماء التي تتفاقم عالميًا، وفي منطقة شمال إفريقيا على وجه الخصوص.
ويأتي هذا المشروع في سياق وطني يتسم بتزايد الضغط على الموارد المائية داخل المغرب، حيث تشير تقارير دولية، من بينها بيانات الأمم المتحدة والبنك الدولي، إلى أن المنطقة تصنف ضمن الدول التي تعاني من “إجهاد مائي مرتفع”، نتيجة توالي سنوات الجفاف وتراجع التساقطات وتنامي الطلب الفلاحي والحضري على المياه.
تقنية حصاد الضباب: هندسة بسيطة بفعالية مناخية عالية
تعتمد التجربة على تثبيت شِباك متطورة فوق قمم جبلية يتجاوز ارتفاعها 1200 متر في الأطلس الصغير، حيث تُستغل الكتل الضبابية القادمة من المحيط الأطلسي، وتعمل هذه الشِباك على تكثيف الرطوبة وتحويلها إلى قطرات ماء يتم تجميعها وتوجيهها نحو خزانات مخصصة للاستعمال اليومي.
وتتميز هذه التقنية بكونها منخفضة التكلفة مقارنة بالبنى التحتية التقليدية مثل السدود أو محطات التحلية، وهو ما تؤكده أيضًا قاعدة بيانات UNCCD التي تصف هذه التقنية بأنها منخفضة الكلفة، سهلة الإنشاء، وقليلة الصيانة. كما أنها لا تعتمد على الطاقة الأحفورية، ما يجعلها حلاً “صفر انبعاثات” ينسجم مع توجهات مكافحة التغير المناخي.. ويعكس هذا النموذج، رغم بساطته، تحوّلًا في التفكير الهندسي نحو حلول لامركزية وقابلة للتكيف مع البيئات القروية الهشة.
أثر اجتماعي مباشر: إنهاء عزلة العطش في القرى الجبلية
لم يقتصر تأثير المشروع على البعد البيئي فقط، بل امتد ليحدث تحولًا اجتماعيًا ملموسًا، خاصة في مناطق قروية مثل آيت باعمران، فقد ساهم في تقليص المعاناة اليومية المرتبطة بجلب المياه، وهي مهام كانت تستغرق ساعات طويلة من الجهد اليومي، غالبًا على عاتق النساء والأطفال.. ما انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية، حيث ارتفعت نسب التمدرس نتيجة تقليص الهدر الزمني في جلب الماء، كما تحسنت مؤشرات الصحة العامة داخل الأسر المستفيدة، وتؤكد تجارب مماثلة في مناطق جبلية أخرى أن توفير نقطة ماء قريبة من السكن يرفع بشكل ملحوظ من استقرار الأسر القروية، فبحسب UNFCCC، انطلق المشروع بشكل فعلي سنة 2010، بعد سنوات من الدراسات والتجارب الدولية.. واليوم، وبعد حوالي 8 سنوات من التشغيل المستمر حسب القائمين عليه، أصبح يغطي 16 دواراً، يستفيد منها أكثر من 700 نسمة بشكل دائم، وقد يتجاوز العدد 1000 خلال فصل الصيف.
انعكاسات اقتصادية ورهان تنموي جديد
اقتصاديًا، ساهمت هذه التقنية في دعم الفلاحة المعيشية وتربية الماشية، عبر توفير مصدر ماء مستقر، ولو محدود، في بيئة تعاني من التذبذب المناخي، وهو ما مكّن بعض الأسر من تحسين إنتاجها الغذائي وتقليص التكاليف المرتبطة بجلب المياه.
كما يفتح هذا النموذج نقاشًا أوسع حول ضرورة إدماج الابتكارات البيئية منخفضة التكلفة ضمن السياسات العمومية للماء، خاصة في المناطق القروية والجبلية، فالمغرب، الذي يواجه تحديًا بنيويًا في الموارد المائية، يبدو أنه يتجه تدريجيًا نحو تنويع مصادره خارج الحلول التقليدية المكلفة.
في المحصلة، يقدم مشروع حصاد الضباب نموذجًا عمليًا لكيف يمكن للتكنولوجيا البسيطة أن تتحول إلى أداة تنموية عميقة الأثر، حين تتقاطع الحاجة الاجتماعية مع الابتكار البيئي والإرادة السياسية.





