
في مشهد يبدو وكأنه قادم من صفحات التاريخ المنسي لا من مغرب القرن الحادي والعشرين، أعادت حادثة نقل امرأة حامل بمنطقة زاوية أحنصال على متن نعش خشبي تقليدي فتح جرح قديم يتعلق بالفوارق المجالية الصارخة بين المغرب النافع والمغرب المنسي..
فبينما تتسابق المدن الكبرى نحو مشاريع البنية التحتية العملاقة والملاعب والمهرجانات، ما تزال نساء القرى الجبلية يواجهن خطر الموت في كل رحلة بحث عن حق بديهي اسمه العلاج.
لم تكن الحادثة التي وثقتها صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد واقعة معزولة، بل كانت صورة مكثفة لواقع تعيشه آلاف الأسر في المناطق الجبلية والنائية، فبحسب المعطيات المتوفرة، ظلت المرأة الحامل ومرافقوها ينتظرون وصول سيارة الإسعاف لأكثر من ساعتين وسط تضاريس وعرة وظروف مناخية قاسية، قبل أن يجدوا أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى وسائل بدائية لنقلها، في مشهد يختلط فيه الألم بدموع الحسرة.
الصحة في الجبال… حق دستوري ينتهي عند سفح الجبل
ينص الدستور المغربي على الحق في العلاج والحماية الصحية، غير أن الطريق إلى هذا الحق يبدو أطول من المسالك الجبلية نفسها، فالمعطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط ووزارة الصحة تؤكد استمرار التفاوت الكبير في توزيع الأطر الطبية والتجهيزات الصحية بين المجالين الحضري والقروي، حيث تعاني العديد من الجماعات الجبلية خصاصاً حاداً في الأطباء وسيارات الإسعاف والتجهيزات الأساسية، وفي الوقت الذي توصي فيه منظمة الصحة العالمية بتقريب الخدمات الصحية من النساء الحوامل لضمان الولادة الآمنة، تجد نساء كثيرات في المناطق النائية أنفسهن أمام خيارين أحلاهما مر: المخاطرة بولادة معقدة داخل المنزل أو خوض رحلة شاقة نحو أقرب مركز صحي قد يبعد عشرات الكيلومترات.
أرقام التنمية تصطدم بصخرة الواقع
من جهة اخرى، تتفاخر التقارير الرسمية بمؤشرات التنمية البشرية وبرامج تقليص الفوارق المجالية، لكن صور المرأة المحمولة فوق نعش خشبي جاءت لتطرح سؤالاً محرجاً: ماذا تعني هذه الأرقام عندما تتحول رحلة علاج امرأة حامل إلى سباق مع الموت؟..
في زاوية أحنصال لم تكن المرأة الحامل وحدها من تُنقل فوق نعش خشبي، بل كانت تُنقل معها أسئلة ثقيلة عن العدالة المجالية، وعن جدوى الشعارات التنموية، وعن معنى الحق في الصحة عندما يصبح الوصول إلى سيارة إسعاف حلماً أكبر من الوصول إلى المستشفى نفسه.. وبينما تُرفع التقارير عن التقدم المحرز في المؤشرات الوطنية، ما تزال بعض المناطق تقدم دليلاً حياً على أن التنمية في المغرب تتحرك أحياناً بسرعة الإنترنت في المدن، وبسرعة خطوات الرجال الحاملين للنعوش في أعالي الجبال.
صرخة من أعالي الجبال
النداء الذي أطلقته فعاليات محلية وسكان زاوية أحنصال لا يتعلق فقط بإنقاذ امرأة حامل وجنينها، بل صرخة احتجاج ضد واقع يتكرر بصيغ مختلفة كل عام ، صرخة تطالب بإنقاذ كرامة مواطنين يشعرون بأنهم يعيشون خارج أولويات السياسات العمومية..
الصور التي تداولها ناشطون لم تكن مجرد توثيق لحادث معزول، بل كانت شهادة بصرية على هشاشة الخدمات الصحية في مناطق ما تزال تعيش خارج زمن الوعود التنموية.. فحين يصبح النعش وسيلة للنجاة بدل أن يكون رمزاً للموت، فإن الأمر يتجاوز حادثاً عرضياً ليصبح عنواناً لفشل بنيوي مزمن.





