
تأخر البرمجة يربك “موازين” ويثير علامات استفهام
تحرير: جيهان مشكور
تتسرب من كواليس الدورة الحادية والعشرين لمهرجان “موازين.. إيقاعات العالم” مؤشرات توحي بأن واحدة من أبرز التظاهرات الفنية في المغرب تواجه لحظة حرجة في مسارها، فبدل دينامية التحضير التي ميزت دورات سابقة، يسود نوع من التردد والتأخر في حسم ملفات أساسية، أبرزها البرمجة الفنية والتعاقد مع نجوم الصف الأول، هذا الارتباك لا يبدو عابرا، بل يعكس تعقيدات تنظيمية داخلية تجعل الزمن يضغط بقوة على إدارة المهرجان، خاصة مع اقتراب المواعيد المعتادة للإعلان عن تفاصيل الدورة.
تعقيدات التفاوض في سوق فني متغير
لم يعد استقطاب الأسماء العالمية مسألة يسيرة كما في السابق، إذ تغيرت قواعد اللعبة داخل صناعة الترفيه العالمية، فبحسب تقارير الاتحاد الدولي لصناعة الموسيقى (IFPI)، ارتفعت تكاليف الجولات الفنية بأكثر من 30% منذ 2022، نتيجة تضخم تكاليف النقل والإنتاج. تحولٌ يضع مهرجانا مثل “موازين” أمام منافسة شرسة مع مهرجانات خليجية وأوروبية تمتلك ميزانيات ضخمة، ما يعقد المفاوضات ويطيل أمدها، ويجعل مسألة الحسم المبكر شبه مستحيلة في بعض الأحيان.
انتقادات سابقة تضاعف الضغط
تأتي هذه الصعوبات في سياق لم تندمل فيه بعد تداعيات الانتقادات التي طالت الدورة الماضية، والتي تمحورت حول اختيارات فنية اعتبرها جزء من الجمهور غير متوازنة، إضافة إلى تساؤلات حول جودة التنظيم..وفق ما أعلنت وكالة المغرب العربي للأنباء نقلا عن المنظمين، تجاوز الحضور 3.75 ملايين متفرج خلال تسعة أيام في دورة 2025، وهو رقم يضع سقفا عاليا جدا لأي إخفاق تنظيمي محتمل في نسخة 2026. ما شكل خلفيةً ترفع من سقف التوقعات وتضع إدارة المهرجان أمام اختبار حقيقي: إما استعادة الثقة أو تعميق فجوة الشك.. وفي هذا السياق، يصبح أي تأخر أو غموض بمثابة عامل مضاعف للانتقادات، خصوصا في ظل الانتشار السريع للنقاشات الرقمية.
رهانات اقتصادية تتجاوز الفن
لا يمكن فصل وضعية “موازين” عن أبعاده الاقتصادية، فالمهرجان يعد رافعة سياحية وثقافية لمدينة الرباط، ويساهم في تنشيط قطاعات حيوية كالفندقة والنقل والمطاعم.. وتشير معطيات وزارة السياحة إلى أن التظاهرات الكبرى تساهم في رفع نسب الإشغال الفندقي بما يفوق 20% خلال فترات انعقادها، أي أن تعثر في تنظيم المهرجان لا ينعكس فقط على صورته الفنية، بل يمتد تأثيره إلى الدورة الاقتصادية المحلية، ما يفسر حساسية المرحلة الحالية.
البعد الاجتماعي.. ثقافة للجميع أم ترف للنخبة؟
لطالما قدم “موازين” نفسه كحدث يتيح عروضا مجانية واسعة للجمهور، وهو عنصر ميزه عن كثير من المهرجانات المغلقة، غير أن الجدل يتكرر كل سنة بشأن تفاوت الولوج بين منصات مجانية مكتظة وأخرى مدفوعة موجهة لفئات أكثر قدرة شرائية، نقاشٌ يتجاوز الفن إلى سؤال العدالة الثقافية: هل الثقافة حق مشترك أم خدمة تخضع لمنطق السوق؟ ففي بلد يواجه تحديات في التشغيل والتعليم والقدرة الشرائية، تصبح أي تظاهرة كبرى مطالبة بتبرير أثرها الاجتماعي الحقيقي، لا الاكتفاء بصورها الاحتفالية.
أسئلة الحوكمة وتدبير الموارد
تعيد الاختلالات المعلنة إلى الواجهة نقاشا أعمق حول نموذج حكامة المهرجانات الكبرى في المغرب، فمع تعدد المتدخلين وتداخل الأدوار، تبرز الحاجة إلى وضوح أكبر في آليات اتخاذ القرار وتدبير الموارد، كما أن الاعتماد الكبير على الشراكات والدعم المؤسسي يطرح تساؤلات حول الاستدامة المالية وقدرة هذه التظاهرات على التكيف مع المتغيرات دون الوقوع في أزمات متكررة.
بين استعادة البريق أو فقدان الريادة
يقف “موازين 2026” اليوم عند مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح الإدارة في تجاوز التعثرات الراهنة عبر تسريع وتيرة التحضير وتقديم عرض فني يعيد الثقة، أو أن تتكرس صورة الارتباك بما يهدد مكانة المهرجان كأحد أبرز المواعيد الثقافية في المنطقة، وفي ظل المنافسة الدولية المتصاعدة، لم يعد يكفي الاعتماد على التاريخ والسمعة، بل أصبح الابتكار والنجاعة في التدبير شرطين أساسيين للاستمرار.





