اقتصادالرئسية

هل تنجح الهند في كبح شهية الذهب؟

تحرير: جيهان مشكور

في خطوة تعكس حجم القلق الذي بات يسيطر على صناع القرار في الهند، أعلنت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي رفع الرسوم الجمركية على واردات الذهب والفضة إلى 15% بدلًا من 6%، في قرار اقتصادي مفاجئ يحمل أبعادًا مالية واجتماعية وسياسية تتجاوز مجرد تنظيم سوق المعادن النفيسة..

فالقرار لا يتعلق فقط بكبح استيراد الذهب، بل يكشف عن معركة حقيقية تخوضها نيودلهي لحماية العملة المحلية واحتياطيات النقد الأجنبي، وسط تصاعد المخاوف من اتساع العجز التجاري وارتفاع فاتورة الطاقة العالمية بسبب اضطرابات الشرق الأوسط.

الذهب.. من “ملاذ آمن” إلى تهديد اقتصادي

لطالما ارتبط الذهب بالثقافة الاجتماعية في الهند، سواء في الادخار أو حفلات الزواج أو حتى كرمز للمكانة الاجتماعية، غير أن الحكومة باتت تنظر اليوم إلى هذا المعدن باعتباره أحد أبرز مصادر الضغط على الاقتصاد الوطني، فوفق بيانات مجلس الذهب العالمي، ارتفع متوسط واردات الهند الشهرية من الذهب خلال أول شهرين من عام 2026 إلى 83 طنًا، مقارنة بـ53 طنًا فقط خلال عام 2025، وهو ارتفاع ضخم يعكس موجة إقبال استثماري غير مسبوقة على المعدن الأصفر، كما قفزت قيمة الطلب على الذهب خلال الربع الأول من العام الجاري إلى نحو 25 مليار دولار، ما جعل المعدن النفيس يتحول من أداة تقليدية للادخار إلى عامل مباشر في استنزاف العملة الصعبة.

ويرى مراقبون أن حالة القلق من التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية دفعت المستثمرين والأسر الهندية إلى الهروب نحو الذهب باعتباره “الملاذ الأكثر أمانًا”، خصوصًا مع تراجع الثقة في استقرار الأسواق المالية.

أزمة مزدوجة.. الذهب والنفط يخنقان الاقتصاد

تعاني الهند أصلًا من هشاشة كبيرة في ميزانها التجاري باعتبارها من أكبر الدول المستوردة للطاقة في العالم، وخلال السنة المالية المنتهية في مارس 2026، تجاوز العجز التجاري للبلاد 330 مليار دولار، مقارنة بأكثر من 280 مليار دولار في السنة السابقة.

وتظهر الأرقام أن النفط الخام والمنتجات البترولية استحوذت على 22% من إجمالي الواردات الهندية، بينما شكل الذهب والفضة حوالي 11%، ما يعني أن الاقتصاد الهندي أصبح رهينة لسلعتين أساسيتين: الطاقة والذهب.

وتزداد الأزمة تعقيدًا بسبب اعتماد الهند على الخارج لتأمين نحو 85% من احتياجاتها من الوقود، إضافة إلى مرور جزء كبير من وارداتها النفطية والغازية عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل أي توتر جيوسياسي في المنطقة ينعكس مباشرة على الأسعار والتضخم وقيمة الروبية، وقد دفعت هذه الضغوط العملة الهندية إلى تسجيل مستويات تاريخية منخفضة أمام الدولار خلال الأيام الأخيرة، في مشهد يثير قلق المستثمرين والأسواق المالية.

مودي يختار “التقشف الشعبي” بدل صدمة الأسعار

بدل رفع أسعار الوقود بشكل مباشر وما قد يرافقه من غضب اجتماعي واسع، اختارت حكومة مودي تحميل جزء من الأزمة لسوق الذهب عبر زيادة الرسوم الجمركية وتقليص الواردات.

وفي خطاب حديث، دعا مودي المواطنين إلى استخدام وسائل النقل العمومي والعمل من المنزل وتقاسم السيارات لترشيد استهلاك الوقود، في مؤشر واضح على أن الأزمة تجاوزت الإطار التجاري وأصبحت قضية أمن اقتصادي وطني.

ويرى خبراء أن هذه السياسات تكشف تحولًا تدريجيًا في النهج الاقتصادي للهند، من الانفتاح والتحرير الاقتصادي إلى التركيز على حماية الاستقرار النقدي والحد من نزيف العملات الأجنبية، حتى وإن تطلب الأمر فرض ضرائب إضافية وتقييد بعض أنماط الاستهلاك.

هل تنجح الهند في كبح “شهية الذهب”؟

رغم صرامة الإجراءات الجديدة، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحكومة قادرة فعلًا على تغيير ثقافة اقتصادية متجذرة في المجتمع الهندي منذ عقود.

فالذهب في الهند ليس مجرد سلعة استثمارية، بل جزء من الهوية الاجتماعية والعائلية، وهو ما يجعل أي محاولة لتقليص الطلب عليه معركة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية بالعادات الثقافية والضغوط السياسية.

لكن المؤكد أن نيودلهي باتت ترى أن استمرار “حمّى الذهب” في ظل ارتفاع أسعار الطاقة العالمية قد يتحول إلى تهديد مباشر للاستقرار المالي، وهو ما يفسر لجوءها إلى قرارات استثنائية توحي بأن الاقتصاد الهندي دخل مرحلة دفاع اقتصادي مفتوح لحماية الروبية واحتواء العجز المتفاقم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى