اقتصادالرئسيةرياضة

هل تستفيد سوس ماسة من المونديال؟

تحرير: بوثينة المكودي

تدخل مدينة أكادير مرحلة جديدة في علاقتها بكرة القدم العالمية، بعدما أصبحت ضمن المدن المغربية الحاضرة في ملف تنظيم كأس العالم 2030، الذي ستحتضنه المملكة بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، في نسخة استثنائية عابرة للقارات.

غير أن هذا الموعد لا يتعلق فقط بمباريات ستُجرى داخل الملعب الكبير لأكادير، بل يفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل المدينة وموقع جهة سوس ماسة في خريطة السياحة، الاستثمار، النقل، التشغيل، والتسويق الترابي.

المغرب ضمن تنظيم تاريخي عابر للقارات

أكد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” خلال مؤتمره الاستثنائي المنعقد يوم 11 دجنبر 2024، اختيار المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، مع تخصيص ثلاث مباريات رمزية في الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي احتفاء بمئوية المونديال.

هذا الحدث يجعل نسخة 2030 مختلفة عن كل النسخ السابقة، لأنها تمتد رمزياً بين ثلاث قارات، مع بقاء التنظيم الرئيسي بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية. ويضم الملف المشترك 20 ملعباً، من بينها 6 ملاعب مغربية تشمل الدار البيضاء، الرباط، طنجة، مراكش، فاس، وأكادير.

وهنا تبرز أهمية أكادير باعتبارها الواجهة الأطلسية الجنوبية للمغرب، بما تحمله من وزن سياحي وثقافي واقتصادي يجعل حضورها في الملف أكثر من مجرد محطة رياضية.

الملعب الكبير لأكادير.. قلب الرهان المونديالي

يشكل الملعب الكبير لأكادير، المعروف أيضاً بملعب أدرار، البنية الرياضية الأساسية في هذا المشروع. بسعة تقارب 45 ألف متفرج، يُعد من أبرز الملاعب الوطنية المؤهلة لاحتضان التظاهرات الكبرى.

وسيكون هذا الملعب من بين الفضاءات المعتمدة خلال كأس إفريقيا للأمم 2025، حيث سيحتضن مباريات في دور المجموعات، إلى جانب مباريات في ثمن النهائي وربع النهائي، ما يجعله أول اختبار فعلي قبل مونديال 2030.

كما تشمل الأشغال المرتبطة بالتأهيل رفع الطاقة الاستيعابية، وتحديث البنية الداخلية، وتركيب سقف بانورامي شامل، وتحسين فضاءات كبار الشخصيات والإعلام، بما يضمن مطابقة المعايير الدولية المطلوبة.

لكن الرهان الحقيقي لا يرتبط فقط بعدد المقاعد أو جودة العشب، بل بمدى قدرة المدينة على ربط الملعب بمحيطه الحضري، وضمان وصول سلس للجماهير، وتوفير تجربة متكاملة تبدأ من الشارع ولا تنتهي عند صافرة الحكم.

كأس إفريقيا 2025.. الامتحان الأول

قبل كأس العالم، ستكون أكادير أمام امتحان حقيقي عبر تنظيم مباريات كأس إفريقيا للأمم 2025، وهي محطة ستكشف مستوى جاهزية المدينة على مستوى البنية الرياضية، النقل، الأمن، الاستقبال، والخدمات السياحية.

نجاح المدينة في هذا الموعد سيمنحها دفعة قوية نحو 2030، لأنه سيعزز ثقة المؤسسات الدولية في قدرتها التنظيمية، كما سيمنح المسؤولين فرصة لاكتشاف الاختلالات ومعالجتها مبكراً.

فالرهان ليس فقط في إنجاح بطولة قارية، بل في بناء صورة دولية مستقرة لمدينة قادرة على احتضان الأحداث الكبرى.

مطار أكادير المسيرة.. بوابة العالم نحو سوس

لا يمكن الحديث عن مونديال 2030 دون التوقف عند مطار أكادير المسيرة، باعتباره البوابة الأولى التي سيعبر منها الجمهور الدولي نحو المدينة.

فالمشجع لا يلتقي أكادير أولاً داخل الملعب، بل يبدأ انطباعه من المطار، ثم الطرق، الفنادق، وسائل النقل، وجودة الخدمات.

وهنا تبرز الحاجة إلى توسيع الطاقة الاستيعابية للمطار، تحسين الربط الجوي الدولي، تسهيل التنقل نحو وسط المدينة والمناطق السياحية، ورفع جودة الاستقبال والخدمات اللوجستية.

نجاح هذه الحلقة سيكون أساسياً لأن صورة المدينة تُبنى منذ لحظة الوصول الأولى.

السياحة.. فرصة أكادير الأقوى

إذا كان الرباط يرتبط بالمؤسسات، والدار البيضاء بالأعمال، ومراكش بالتراث، فإن أكادير تمتلك ورقة السياحة الساحلية كأقوى نقطة تميز داخل ملف 2030.

المدينة تجمع بين الشاطئ، المناخ المعتدل، الفنادق، المنتجعات، القرب من الصحراء، الثقافة الأمازيغية، والعمق الطبيعي لسوس ماسة، ما يجعلها مؤهلة لتكون وجهة إقامة لجماهير لا تبحث فقط عن المباراة، بل عن تجربة سفر كاملة.

مونديال 2030 يمكن أن يمنح أكادير فرصة نادرة لإعادة تسويق نفسها عالمياً، ليس فقط كمدينة شاطئية، بل كوجهة رياضية وسياحية متكاملة.

سوس ماسة ليست أكادير فقط

الرهان المونديالي لا يجب أن يبقى محصوراً داخل حدود المدينة فقط، بل ينبغي أن يشمل جهة سوس ماسة كاملة.

مدن مثل تارودانت، تيزنيت، إنزكان، اشتوكة آيت باها، وتافراوت يمكن أن تستفيد من الحركية الاقتصادية والسياحية إذا تم إدماجها ضمن الرؤية الجهوية، سواء عبر الإيواء، الصناعة التقليدية، السياحة القروية، أو الخدمات المرتبطة بالحدث.

فالمونديال الحقيقي هو الذي يترك أثراً تنموياً واسعاً، لا مجرد ملاعب جميلة داخل المدن الكبرى.

النقل والإيواء.. التحدي الصامت

من أكبر التحديات التي تواجه أكادير، قضية النقل الحضري خلال أيام المباريات، خاصة مع الضغط الكبير المتوقع على الشوارع، سيارات الأجرة، الحافلات، ومواقف السيارات.

كما أن الفنادق والإيواء سيواجهان ضغطاً مضاعفاً، بين ارتفاع الطلب، ضرورة ضبط الأسعار، والحفاظ على جودة الخدمات.

وهنا يصبح التخطيط المبكر ضرورة، حتى لا تتحول الفرصة الاقتصادية إلى مصدر فوضى واختناق يومي للسكان والزوار معاً.

فرص الشغل والاستثمار

مونديال 2030 يمكن أن يخلق فرصاً واسعة للشباب في مجالات السياحة، الإرشاد، الأمن الخاص، النقل، المطاعم، التنظيم، الإعلام، والتسويق.

كما قد يفتح المجال أمام استثمارات عقارية وسياحية جديدة، خاصة في المناطق القريبة من الملعب والمطار والمحاور الكبرى.

لكن هذا المسار يحتاج حذراً، حتى لا تتحول المشاريع إلى مضاربات ظرفية، أو إلى استثمارات لا تترك أثراً اجتماعياً حقيقياً بعد نهاية البطولة.

صورة أكادير أمام العالم

أكادير لا تستعد فقط لاستقبال مباريات، بل لتقديم نفسها أمام العالم.

كل شارع، كل فندق، كل محطة، كل خدمة، وكل تجربة يعيشها الزائر ستتحول إلى جزء من صورة المدينة الدولية.

ولهذا فإن مونديال 2030 ليس مجرد حدث رياضي عابر، بل فرصة استراتيجية لإعادة تعريف أكادير كمدينة حديثة، منظمة، جذابة، وقادرة على المنافسة الدولية.

ما الذي يجب مراقبته من الآن؟

السؤال الأهم ليس هل ستستفيد أكادير من كأس العالم، بل كيف ستستفيد.

هل ستتحول الاستعدادات إلى مشاريع دائمة؟
هل ستستفيد الساكنة فعلاً من هذه الدينامية؟
هل ستُبنى بنية تحتية مستدامة أم مجرد تجهيزات ظرفية؟
وهل سيبقى الأثر بعد نهاية البطولة؟

الجواب عن هذه الأسئلة هو ما سيحدد إن كان مونديال 2030 مجرد موعد رياضي كبير، أم لحظة تاريخية حقيقية في مسار المدينة.

فأكادير، بما تملكه من موقع جغرافي، شاطئ، جبل، مطار، فنادق، وهوية أمازيغية وسياحية خاصة، تستطيع أن تجعل من هذا الحدث فرصة نادرة لإعادة تقديم نفسها للعالم… بشرط أن تتحول الأحلام إلى مشاريع، والملاعب إلى تنمية.

اقرأ أيضا…

تحليل الإنجازات الاقتصادية وفاتورة الكرة بالمغرب.. قراءة في أرقام المديونية وسياسات الأولويات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى