الرئسيةسياسة

ضد تكميم النقابات..القضاء الدولي يحمي الإضراب

في زمن تتغوّل فيه الرأسمالية بشكل غير مسبوق، وتشتد فيه الهجمة على الحقوق الاجتماعية والمكتسبات التاريخية للطبقة العاملة، يظلّ الإضراب أحد أهم الأسلحة التي تمتلكها النقابات للدفاع عن العمال في مواجهة منطق الاستغلال والجشع.

فالإضراب ليس مجرد وسيلة احتجاج عابرة، بل آلية توازن ضرورية داخل مجتمع تحكمه علاقات قوة غير متكافئة بين أرباب العمل والطبقة العاملة.

تقييد  حق الإضراب أو تجريده من فعاليته تعني عملياً نزع أنياب النقابات

ولذلك، فإن أي محاولة لتقييد هذا الحق أو تجريده من فعاليته تعني عملياً نزع أنياب النقابات وتحويلها إلى هياكل شكلية عاجزة عن حماية الشغيلة والدفاع عن مصالحها، بما يفتح الباب أمام الإجهاز على ما تبقى من الحقوق الاجتماعية. وفي المغرب، يأخذ هذا الصراع أبعاداً أكثر حدة، حيث ترى العديد من الأصوات الحقوقية والنقابية أن الأوليغارشية الاقتصادية والسياسية تسعى إلى السطو على أهم أدوات المقاومة الاجتماعية وإخضاع الحركة النقابية لمنطق الضبط والتحكم.

في هذا السياق، اعتبر الرئيس السابق لـترانسبرانسي المغرب، رشيد الفيلالي المكناسي، أن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الحق في الإضراب يشكل تطوراً بالغ الأهمية ورسالة أمل في ظرفية عالمية تتسم بالتراجعات المتواصلة عن الحقوق والحريات الأساسية، سواء على الصعيد الدولي أو داخل المغرب.

القرار القضائي الدولي يحمل دلالات قوية بالنسبة لكل المدافعين عن الحقوق النقابية

وخلال افتتاح ندوة نظمتها ترانسبرانسي المغرب بشراكة مع هيئة المحامين بالرباط حول “الرهانات القانونية والمؤسساتية لتجريم الإثراء غير المشروع”، يوم الجمعة 22 ماي 2026، أكد الفيلالي المكناسي أن هذا القرار القضائي الدولي يحمل دلالات قوية بالنسبة لكل المدافعين عن الحقوق النقابية والحريات الاجتماعية، خاصة في ظل تنامي النزعات الرامية إلى تقويض المكتسبات العمالية تحت غطاء “الإصلاح” و”تنظيم الحق في الإضراب”.

وأشار المتحدث إلى أن الخلاف حول مدى شمول الاتفاقية الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية للحق في الإضراب يعود إلى سنة 2012، حين دخلت النقابات العمالية ومنظمات أرباب العمل في مواجهة حادة داخل أجهزة منظمة العمل الدولية بشأن تفسير الاتفاقية، رغم أن هيئات المراقبة التابعة للمنظمة ظلت لعقود تعتبر الإضراب جزءاً لا يتجزأ من الحرية النقابية.

حق العمال ومنظماتهم في الإضراب محمي بموجب الاتفاقية رقم 87

وفي خطوة غير مألوفة في تاريخ المنظمة، قرر مجلس إدارة منظمة العمل الدولية في نونبر 2023 إحالة هذا الخلاف إلى محكمة العدل الدولية للحسم فيه قانونياً.

وجاء الرد، يوم الخميس 21 ماي 2026، عبر رأي استشاري اعتبرت فيه المحكمة، بأغلبية عشرة قضاة مقابل أربعة، أن حق العمال ومنظماتهم في الإضراب محمي بموجب الاتفاقية رقم 87، حتى وإن لم يتم التنصيص عليه بشكل صريح داخل النص.

ورغم أن المحكمة لم تحدد بشكل دقيق حدود هذا الحق أو شروط ممارسته، وهو ما اعتبرته منظمات أرباب العمل هامشاً يسمح للدول بالاستمرار في تنظيم الإضراب وفق تشريعاتها الوطنية، فإن القرار منح في المقابل دعماً قانونياً وأخلاقياً قوياً للحركة النقابية والحقوقية عبر العالم، باعتبار أن أي تقييد تعسفي للإضراب يمس جوهر الحرية النقابية نفسها.

تواصل الجدل حول مشروع القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب

ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة في المغرب، حيث يتواصل الجدل حول مشروع القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، وسط انتقادات واسعة من النقابات والهيئات الحقوقية التي ترى أن المشروع يتضمن مقتضيات تقيد هذا الحق الدستوري وتفرغه من مضمونه، في حين تؤكد الحكومة أن الهدف هو ضمان التوازن بين حقوق العمال واستمرارية المرافق والخدمات.

وفي هذا الإطار، يرى الفيلالي المكناسي أن رأي محكمة العدل الدولية من شأنه أن يعيد توجيه النقاش القانوني والحقوقي داخل المغرب، لأنه يوفر سنداً دولياً واضحاً لكل المطالبين بحماية الحق في الإضراب باعتباره جزءاً أساسياً من الحرية النقابية، وليس امتيازاً يمكن الالتفاف عليه أو التضييق عليه وفق توازنات سياسية أو اقتصادية ظرفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى