
هل تحارب الدولة الخمر أم تديرها؟
في كل مناسبة دينية، يتكرر المشهد نفسه في المغرب محلات بيع الخمور تغلق أبوابها، والسلطات تشدد المراقبة، والمستهلكون يتهافتون على اقتناء ما يكفيهم لأيام وربما لأسابيع.
بقلم: بثينة المكودي
وكأن الدولة تكتشف فجأة أن الخمر موجودة في المجتمع، أو كأن ما كان مباحاً بالأمس أصبح محرماً اليوم ثم سيعود مباحاً غداً بعد انقضاء العيد.
إنها مفارقة لا يمكن فهمها إلا في إطار سياسة قائمة على إدارة التناقض بدل حله، وعلى إنتاج النفاق الجماعي بدل مواجهة الواقع كما هو.
عندما تصنع الدولة “السطوك”
قبل أيام قليلة من كل عيد ديني، تتحول محلات بيع الخمور إلى فضاءات مكتظة بالزبائن، يشتري البعض كميات مضاعفة، ويخزن آخرون ما يكفي لفترة الإغلاق. والنتيجة أن الاستهلاك لا ينخفض، بل يرتفع بشكل استثنائي.
فهل الهدف هو الحد من استهلاك الخمر أم تشجيع المواطنين على التخزين؟
عملياً، الدولة لا تمنع الاستهلاك، بل تدفع إليه بطريقة مختلفة فهي تخلق حالة من الخوف من الندرة، فتدفع المستهلك إلى شراء أكثر مما كان سيشتريه في الظروف العادية وهكذا تتحول ليلة العيد إلى موسم استثنائي للمبيعات، بدل أن تكون مناسبة لتقليصها.
إنها سياسة تنتج عكس ما تدعيه تماماً.
القانون شيء والواقع شيء آخر
الأكثر غرابة أن هذا الملف يعيش منذ سنوات على وقع تناقض صارخ بين القانون والواقع.
فالقانون يمنع بيع الخمور للمسلمين، لكن الجميع يعلم أن تطبيق هذا المقتضى مستحيل عمليا فلا أحد يطلب من الزبون شهادة تثبت ديانته، ولا أحد يحقق في معتقداته قبل السماح له بالشراء.
الدولة تعرف ذلك، والمهنيون يعرفون ذلك، والمواطنون يعرفون ذلك.
لكن ما دام القانون لا يطبق فعلياً طوال السنة، فلماذا تستيقظ الحماسة لتطبيق منطق ديني معين فقط خلال الأعياد والمناسبات؟
هل تستطيع الدولة معرفة ما في القلوب؟
إذا كان بيع الخمور ممنوعاً على المسلمين فقط، فكيف تحدد الدولة من هو المسلم ومن هو غير المسلم؟
هل تعتمد على الاسم؟ أم على اللغة؟ أم على الملامح؟
وهل يصبح المواطن غير المسلم أو السائح المسيحي القادم من دولة عربية مشمولاً بالمنع فقط لأنه يتحدث العربية أو يحمل اسما عربيااو امازيغيا ؟
الحقيقة أن الدولة لا تستطيع التحقق من عقائد الناس، ولا يحق لها أصلاً أن تفعل ذلك فالإيمان مسألة شخصية، والضمائر ليست سجلات إدارية يمكن الرجوع إليها عند الحاجة.
لهذا يبدو المشهد كله أقرب إلى ممارسة رمزية لا علاقة لها بتطبيق القانون ولا بحماية الدين، بقدر ما تعكس محاولة لإظهار قدر من التشدد الموسمي أمام الرأي العام.
بين الضرائب والوعظ
المفارقة الكبرى أن الدولة تستفيد من قطاع الخمور طوال السنة.
تمنح التراخيص، وتفرض الضرائب، وتراقب الأنشطة التجارية المرتبطة به، وتستفيد من مداخيل مالية مهمة.
لكنها في الأعياد تحاول الظهور بمظهر الطرف الرافض للخمر.
فكيف يمكن الجمع بين الاستفادة المالية من النشاط وبين التبرؤ الأخلاقي منه في الوقت نفسه؟
إذا كانت الخمور تتعارض فعلا مع قيم المجتمع، فلماذا تستمر الدولة في الترخيص لها؟ وإذا كانت نشاطا قائم فما معنى هذا المنع الموسمي الذي لا يغير شيئاً في الواقع؟
احترام الدين لا يكون بالمظاهر
لا أحد يجادل في قدسية الأعياد الدينية ولا في حق المجتمع في الحفاظ على خصوصيته الثقافية والدينية لكن احترام الدين لا يكون عبر قرارات ظرفية وموسمية، ولا عبر إجراءات شكلية يعرف الجميع أنها لا تغير شيئاً في السلوك الفعلي للناس.
فالدين أكبر من أن يتحول إلى مناسبة لإغلاق محلات لبضعة أيام، والقانون أكبر من أن يتحول إلى أداة انتقائية يتم تفعيلها عندما يكون ذلك مناسباً ثم تجاهلها بقية السنة.
آن الأوان للوضوح
ما يحتاجه المغرب ليس مزيدا من النفاق المؤسساتي ولا مزيدا من إدارة التناقضات.
ما يحتاجه هو الوضوح.
إما أن الدولة تعتبر الخمر نشاط قانوني بين مزدوجتين مشروط بالنية وتتعامل معه وفق هذا المنطق بشكل مستمر، وإما أن لديها موقفاً آخر تتحمل مسؤوليته السياسية والقانونية كاملة.
أما هذا الوضع الذي تصبح فيه الخمر مقبولة 360 يوماً في السنة ومرفوضة لبضعة أيام فقط، فلا يخدم الدين ولا القانون ولا الدولة نفسها.
إنه ببساطة تكريس لثقافة التظاهر بالفضيلة بدل معالجة الواقع، وصناعة لأزمة استهلاكية كل عيد، ثم الادعاء بعد ذلك بأن الهدف كان حماية القيم والأخلاق.





