الرئسيةسياسة

هيئة النزاهة.. هل تكفي المعرفة لمحاربة الفساد؟

أطلقت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها برنامجا تكوينيا حول منهجية إعداد أوراق السياسات في مجال النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بمشاركة 12 باحثة وباحثاً.

ويهدف البرنامج إلى تعزيز مساهمة البحث في توجيه السياسات العمومية، وتطوير قدرة الباحثين على تحويل المعرفة والدراسات إلى مقترحات يمكن أن تدعم القرار العمومي وتخدم المصلحة العامة.

وتندرج هذه المبادرة ضمن توجه الهيئة نحو توسيع دائرة المشاركة في جهود مكافحة الفساد، وإشراك الباحثين والمهتمين في بلورة أجوبة عملية حول قضايا النزاهة والحكامة، وتعزيز الصلة بين البحث والنقاش العمومي والقرار المؤسساتي.

بنعليلو: مكافحة الفساد تحتاج إلى سياسات قابلة للمراجعة

وفي كلمته الافتتاحية، أكد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محمد بنعليلو، أن مكافحة الفساد تقتضي تجديد السياسات العمومية بشكل مستمر، ومراجعة اختياراتها، واقتراح بدائل تستجيب لمتطلبات الفعالية.

وأوضح أن الرهان يتمثل في إعداد مقترحات قادرة على التأثير في القرار العمومي، وتحويل الالتزام بالنزاهة إلى نتائج ملموسة قابلة للتتبع والتقييم والمساءلة.

وشدد بنعليلو على أهمية الجمع بين استقلالية التفكير وقوة الاقتراح، وربط التوصيات بشروط تنفيذها وبالنتائج التي يمكن أن تحققها على مستوى المؤسسات وحياة المواطنين.

دعوة إلى تجاوز الخطابات الجاهزة

ودعا رئيس الهيئة إلى تطوير النقاش حول ظاهرة الفساد، والابتعاد عن الأحكام الجاهزة والخطابات التعميمية التي قد تعيق فهم أسباب الظاهرة وسبل معالجتها.

وأكد أن مكافحة الفساد تتطلب تشخيص أسبابه، وتحديد المسؤوليات، واقتراح إصلاحات قابلة للتنفيذ، مع إخضاع نتائجها للتتبع والمساءلة.

كما اعتبر أن استقلالية الباحثين واستقلالهم النقدي يشكلان عنصرا أساسيا في هذا المسار، داعيا إلى طرح الأسئلة الصعبة ومراجعة الافتراضات السائدة وإغناء خيارات الإصلاح.

برنامج يمتد لخمس سنوات

ويأتي البرنامج امتدادا لمبادرة أطلقتها الهيئة في يوليوز الماضي، من خلال فتح باب الترشيح أمام الباحثين وطلبة الدكتوراه والأطر والمهتمين بقضايا النزاهة والسياسات العمومية.

وتعتزم الهيئة جعل البرنامج مسارا يمتد على مدى خمس سنوات، بهدف بناء رصيد متجدد من أوراق السياسات والمقترحات المرتبطة بقضايا النزاهة ومحاربة الفساد.

واختتم بنعليلو كلمته بالتعبير عن أمله في أن يفضي هذا المسار إلى إنتاج أوراق بحثية قابلة للنقاش، ومقترحات يمكن تحويلها إلى قرارات، بما يعزز قدرة المعرفة على التأثير في اختيارات الإصلاح ونتائجها.

من تشخيص الفساد إلى مساءلة القرار

إذا كان الخبر ينقل مضمون المبادرة كما قدمتها الهيئة، فإن أهم ما يستحق التوقف عنده هو تغيير موقع المعرفة داخل معادلة مكافحة الفساد.

لسنوات، ظل النقاش حول الفساد يدور غالبا داخل مثلث تقليدي: تشخيص الظاهرة، إنتاج التوصيات، ثم انتظار القرار المؤسساتي.

أما المبادرة الجديدة فتفتح، نظريا على الأقل، إمكانية قلب هذا المثلث: أن تصبح المعرفة نفسها جزءا من صناعة القرار، وأن تتحول ورقة السياسات من وثيقة بحثية إلى أداة للتأثير والاقتراح والمساءلة.

من «ما هو الخلل؟» إلى «من يملك قرار الإصلاح؟»

هنا يصبح السؤال أكثر سياسية من كونه تقنيا، إذ ليس كافيا أن نعرف أين يوجد الخلل، ولا أن نحدد أسباب الرشوة والفساد، بل ينبغي الانتقال إلى سؤال أصعب: من يملك القدرة على تغيير القواعد التي تنتج الخلل؟

فالفساد لا يعيش فقط في الفراغات القانونية أو في السلوك الفردي، وإنما يمكن أن يجد شروط استمراره داخل بنية القرار، وتضارب المصالح، وضعف الرقابة، وتعقيد المسؤوليات بل و تشتتها و ميوعاتها، وغياب التقييم الحقيقي للسياسات العمومية.

ولهذا فإن قوة أي ورقة سياسات لن تقاس بجودة صياغتها، وإنما بقدرتها على الاقتراب من هذه المناطق الحساسة.

المعرفة لا تصبح قوة إلا عندما تواجه القرار

الرهان الحقيقي للبرنامج، إذن، ليس في تكوين 12 مشاركا في تقنيات إعداد أوراق السياسات، بل في اختبار المسافة بين الباحث وصانع القرار.

فإذا انتهت الأوراق إلى رفوف المؤسسات، ستظل المبادرة إنتاجا معرفيا مهما، لكنها لن تكون قد حققت التحول الذي تتحدث عنه الهيئة.

أما إذا استطاعت هذه الأوراق أن تفرض أسئلة جديدة، وتكشف اختلالات محددة، وتقترح بدائل قابلة للتنفيذ، ثم تتابع ما آل إليه تنفيذها، فإننا نكون أمام انتقال حقيقي من معرفة تصف الواقع إلى معرفة تتدخل في تغييره.

الاختبار الأصعب: من يقبل المساءلة؟

وهنا تظهر الحلقة التي لا يمكن لأي ورقة سياسات أن تتجاوزها: المساءلة.

فالإصلاح لا يكتمل بمجرد تقديم الاقتراح، إذ هناك من سيقرر، ومن سينفذ، ومن سيراقب، ومن سيستفيد، وهناك أيضا من يجب أن يتحمل المسؤولية عندما تفشل السياسة أو تنحرف عن أهدافها.

ومن هذه الزاوية، فإن «قلب المثلث» يعني نقل مركز الاهتمام من إنتاج التوصيات إلى السلسلة الكاملة لصناعة القرار: المعرفة، ثم القرار، ثم التنفيذ، ثم قياس الأثر، وأخيرا المساءلة.

وهنا تحديدا يمكن أن تتحول أوراق السياسات من منتج أكاديمي إلى أداة سياسية ومؤسساتية لمراقبة الإصلاح نفسه.

نجاح المبادرة سيقاس بما يحدث خارج الورق

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لهذا البرنامج لن يكون في عدد الأوراق التي ستنتجها الهيئة خلال السنوات الخمس المقبلة، ولا في عدد الباحثين الذين سيشاركون فيه.

الاختبار سيكون خارج الورق: هل ستصل المقترحات إلى القرار؟ وهل ستؤثر فيه؟ وهل ستُنفذ؟ ومن سيحاسب على عدم تنفيذها؟

عندها فقط يمكن القول إن الهيئة نجحت في نقل مكافحة الفساد من دائرة التشخيص والخطاب إلى دائرة التأثير الفعلي في السياسات العمومية.

وبغير ذلك، قد تتحول أفضل الأوراق البحثية إلى مجرد معرفة جيدة الصياغة، لكنها عاجزة عن الوصول إلى المكان الذي يبدأ فيه الإصلاح الحقيقي: مركز القرار.

حين تصطدم المعرفة بحدود القرار

المفارقة التي تستحق النقاش أن الدعوة إلى إشراك الباحثين والمجتمع في مكافحة الفساد لا تكتمل بمجرد إنتاج أوراق السياسات والتوصيات. فالمعرفة لا تصبح قوة عمومية إلا عندما تجد طريقها إلى التبليغ، والمساءلة، والتشريع، ثم إلى مراقبة تنفيذ ما تم اتخاذه.

ومن هنا يعود النقاش إلى إشكال أعمق: ما جدوى تشجيع المجتمع المدني والباحثين على كشف الاختلالات إذا ظلت أدوارهم في التبليغ والمساءلة محل تضييق أو نقاش؟ وما جدوى إعداد سياسات لمكافحة الفساد إذا ظلت بعض مشاريع القوانين ذات الصلة، وعلى رأسها مشروع تجريم الإثراء غير المشروع، عالقة أو مستبعدة من أجندة التشريع؟

اقرأ أيضا…

تحليل اخباري: بنعليلو و استراتيجية محاربة الفساد..من يضمن التنفيذ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى