
أعلن محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، عن إطلاق استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الفساد للفترة 2025–2030، مقدّما إياها باعتبارها تحول نوعي في مقاربة الدولة لهذا الورش الحساس، غير أن هذا الإعلان، في سياقه السياسي والمؤسساتي الراهن، يثير أكثر من سؤال حول حدود الفعل الاستراتيجي في ظل غياب حكومة تتحمل مسؤولية سياسية واضحة في هذا الملف.
بنعليلو شدد، في عرضه، على أن الفساد لم يعد مجرد ممارسات معزولة، بل ظاهرة بنيوية تتقاطع مع السياسات العمومية وتؤثر بشكل مباشر على الثقة في الدولة وجودة الخدمات العمومية، وهي خلاصة تكاد تكون محل إجماع وطني، لكن الإشكال لا يكمن في تشخيص الداء بقدر ما يتمثل في من يمتلك سلطة العلاج وجرأة القرار.
استراتيجية تقنية في فراغ سياسي؟
الاستراتيجية الجديدة ترتكز، حسب الهيئة، على خمسة محاور كبرى، من بينها تعزيز القيادة الاستراتيجية، إعداد منظومة وطنية للقياس والتتبع، تقوية الوقاية في القطاعات عالية المخاطر، إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني، ثم تسريع التحول الرقمي والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تتبع مسارات الفساد.
غير أن هذه المقاربة، رغم طابعها الحداثي، تظل محكومة بسقف مؤسساتي محدود، فالهيئة دستوريا جهاز اقتراحي وتقييمي، لا يمتلك سلطة الإلزام أو المتابعة القضائية، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤال قديم جديد هل يمكن محاربة الفساد بأدوات تقنية دون قرار سياسي صريح يربط المسؤولية بالمحاسبة؟
بين الخطاب والواقع: المواطن خارج المعادلة
من زاوية المواطن، تبدو هذه الاستراتيجيات بعيدة عن واقعه اليومي، فالفساد الذي يلمسه المواطن لا يوجد في التقارير، بل في تعقيد المساطر، في الرشوة الصغيرة التي تتحول إلى قاعدة، وفي خدمات عمومية لا تعكس حجم الضرائب ولا الوعود الحكومية، وهو ما يجعل أي استراتيجية لا تترجم إلى أثر ملموس على حياة الناس، عرضة للتشكيك وفقدان المصداقية.
ورغم حديث الهيئة عن إشاعة ثقافة النزاهة في المدرسة والإعلام ودعم الصحافة الاستقصائية، فإن الواقع يكشف عن مفارقة لافتة: تضييق على الصحافيين، غموض في قوانين الحق في الحصول على المعلومة، وتراجع مؤشرات حرية التعبير، وهي شروط أساسية لأي معركة حقيقية ضد الفساد.
أين الحكومة؟
السؤال الأكثر إلحاحا يظل هو أين موقع الحكومة من كل هذا؟ فإطلاق استراتيجية لمحاربة الفساد في غياب حضور سياسي قوي، يفتح الباب أمام تأويلات مقلقة، مفادها أن الدولة ما زالت تراهن على المؤسسات الدستورية لتدبير ملف ثقيل الكلفة، بدل تحمّل الحكومة لمسؤوليتها الكاملة في تفكيك شبكات الريع وحماية المال العام.
محاربة الفساد لا تُختزل في خطط خمسية ولا في مؤشرات رقمية، بل تبدأ بإشارات سياسية واضحة منها تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حماية المبلّغين، وقف الإفلات من العقاب، وربط السياسات العمومية بتقييم مستقل وشفاف.
جدير بالذكر أن ما أعلنه بنعليلو قد يكون خطوة ضرورية على مستوى التشخيص وبناء الأدوات، لكنه يظل غير كاف ما لم يُدعّم بإرادة سياسية للدولة صريحة وشجاعة، فبدون ذلك تعتبر محاربة الفساد ليست أولوية سياسية بل مجرد شعار ظرفي، وأنه ستظل الاستراتيجيات تتراكم، فيما يتراكم معها إحباط المواطن وفقدانه الثقة في جدوى الإصلاح.





