الرئسيةسياسة

مراكش.. التطبيع يدخل مدرج السلاح

بينما تستمر الحرب على غزة، ويواصل الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة التي خلفت أعدادا هائلة من الضحايا والدمار، تستقبل قاعدة القوات الجوية الملكية بمراكش، بين 7 و10 أكتوبر الجاري، ثماني شركات إسرائيلية ضمن الدورة الثامنة لمعرض مراكش للطيران.

حضور إسرائيلي عسكري وصناعي لافت

المسألة هنا لا تتعلق بمجرد مشاركة شركات أجنبية في معرض دولي، بل بحضور إسرائيلي عسكري وصناعي لافت داخل حدث تنظمه مؤسسات الدولة المغربية، في مشهد يضع التعاون الدفاعي المغربي الإسرائيلي أمام الرأي العام في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

فالمعرض لا يستقبل شركات إسرائيلية تبيع التكنولوجيا المدنية فقط، وإنما شركات تنشط في الصناعات “الدفاعية”، وتعرض منظومات مرتبطة بالطائرات المسيرة والدفاع الجوي والاستخبارات والأسلحة الدقيقة والحرب الإلكترونية.

وهنا تحديدا تبرز المفارقة: بينما تتصدر صور غزة المشهد، تتصدر شركات السلاح الإسرائيلية منصة معرض عسكري في المغرب.

من التطبيع السياسي إلى التطبيع العسكري

المشاركة الإسرائيلية الواسعة تكشف أن مسار التطبيع لم يعد محصورا في العلاقات الدبلوماسية أو الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية.

فخلال السنوات الأخيرة، انتقلت العلاقة إلى مستوى أكثر حساسية، يتعلق بالتعاون العسكري والأمني والتكنولوجي، وإبرام صفقات دفاعية، وتبادل الخبرات، ثم الحديث عن التصنيع ونقل التكنولوجيا وإقامة شراكات داخل المغرب.

وتشارك في المعرض الصناعات الجوية الإسرائيلية، و«إلبيت سيستمز»، و«رافائيل»، إلى جانب خمس شركات إسرائيلية أخرى، في خطوة تعكس، وفق مجلة «جون أفريك»، اتساع الحضور الإسرائيلي في مجال الصناعات “الدفاعية” داخل السوق المغربية.

المغرب.. سوق للسلاح وبوابة لأفريقيا

ولا تبدو الشركات الإسرائيلية مهتمة بالسوق المغربية وحدها.

فالمغرب يتحول، بالنسبة لهذه الشركات، إلى منصة يمكن استخدامها للوصول إلى أسواق أفريقية أخرى، مستفيدة من موقع المملكة وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية بالقارة.

وهذا ما يجعل معرض مراكش للطيران يتجاوز وظيفة العرض التجاري. فبالنسبة للشركات الإسرائيلية، يتعلق الأمر أيضا ببناء شبكة علاقات وفتح أسواق جديدة وتثبيت حضور طويل الأمد في صناعة الدفاع الأفريقية.

صفقات بمئات الملايين.. والتعاون يتوسع هذا الحضور ليس وليد المعرض الحالي، ففي عام 2022، حصلت الصناعات الجوية الإسرائيلية على صفقة لتزويد المغرب بمنظومة «باراك إم إكس» للدفاع الجوي، بقيمة قدرت بنحو 500 مليون دولار.

كما ارتبط اسم «إلبيت سيستمز» بصفقات أخرى في المغرب، من بينها راجمات الصواريخ «بولس»، وتقارير عن صفقة لتزويد المملكة بمدافع ذاتية الحركة من طراز «أتموس 2000».

أما «رافائيل»، فقد أصبحت منظومتها «سبايدر» ضمن منظومات الدفاع الجوي الموجودة في المغرب.

بمعنى آخر، فإن معرض مراكش لا يفتح الباب أمام التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي؛ إنه يأتي في سياق تعاون قائم أصلا ويتجه إلى مزيد من التوسع.

الأخطر: التعاون لم يعد مجرد شراء

الأكثر دلالة في هذا المسار أن العلاقة لم تعد قائمة فقط على شراء الأسلحة.

ففي عام 2022، وقع وزير الصناعة والتجارة الاستقلالي رياض مزور اتفاقا مع الصناعات الجوية الإسرائيلية للتعاون في مجال الطيران، شمل البحث والتطوير والهندسة وتصنيع المكونات وإشراك الموردين المحليين.

وفي العام التالي، جرى توقيع اتفاق مع الجامعة الدولية بالرباط لإنشاء مركز للتميز في الطيران والذكاء الاصطناعي.

وهكذا ينتقل التعاون تدريجيا من اقتناء السلاح إلى بناء منظومة للتعاون الصناعي والتكنولوجي.

وهذا التحول هو الذي يستحق النقاش السياسي الحقيقي، لأنه لا يتعلق بصفقة تنتهي بتسليم معدات، بل بإمكانية ترسيخ علاقات مؤسساتية وصناعية طويلة الأمد.

غزة خارج قاعة المعرض؟

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس تقنيا ولا تجاريا: كيف يمكن أن يبدو حضور شركات السلاح الإسرائيلية في المغرب عادياً في الوقت الذي تستمر فيه الحرب على غزة؟

قد يقال إن معرض مراكش للطيران حدث مهني دولي، وإن الشركات المشاركة لا تمثل الحكومة الإسرائيلية مباشرة.

لكن هذا التفسير يصطدم بحقيقة أن عددا من المشاركين الإسرائيليين ينشطون أصلا في الصناعات الدفاعية، وأن المشاركة جاءت في سياق تعاون عسكري متنامٍ بين الرباط وتل أبيب، كما أن توقيت المشاركة ليس تفصيلاً هامشياً.

فالمغرب يعيش منذ سنوات احتجاجات واسعة ضد التطبيع، ويشهد الشارع المغربي حضورا قويا للقضية الفلسطينية، بينما تواصل هيئات مدنية وسياسية المطالبة بإنهاء العلاقات مع إسرائيل.

أي صورة يريد المغرب تقديمها؟

المشكلة، إذن، ليست في وجود معرض للطيران ولا في استضافة شركات أجنبية.

السؤال هو: ما الذي يعنيه أن تتحول المشاركة الإسرائيلية في معرض عسكري مغربي إلى حضور مؤسساتي متكرر، بينما يتحول التعاون الدفاعي إلى شراكات صناعية وتكنولوجية؟

وأي رسالة تُرسل إلى الرأي العام المغربي عندما تصبح شركات السلاح الإسرائيلية تقدم كجزء طبيعيا من المشهد العسكري والاقتصادي، في الوقت الذي يرفض فيه جزء واسع من المجتمع المغربي التطبيع ويضع القضية الفلسطينية في قلب احتجاجاته؟

هنا تتجاوز المسألة حدود معرض مراكش للطيران

إنها تتعلق بمسار كامل: من التطبيع الدبلوماسي، إلى صفقات السلاح، إلى التعاون الأمني، ثم إلى التصنيع ونقل التكنولوجيا.

والسؤال الذي يبقى مفتوحا ليس ما الذي ستعرضه الشركات الإسرائيلية في مراكش، بل إلى أي مدى يمكن أن يصل التعاون العسكري مع إسرائيل، وفي أي لحظة يصبح التطبيع العسكري أمرا عاديا رغم أن غزة لم تغادر بعد واجهة المأساة المؤلمة على كافة المستويات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى