
في قراءتها لنتائج انتخابات 23 شتنبر، لا تتعامل أمينة ماء العينين مع الانتخابات باعتبارها مجرد محطة انتخابية عادية، بل تضعها أمام سؤال أوسع يتعلق بمسار الانتقال الديمقراطي منذ دستور 2011.
وفي مداخلتها، لا تكتفي بتسجيل ضعف المشاركة أو محدودية المخرجات، بل تطرح أسئلة تمس جوهر العملية السياسية: ماذا تغير فعلا؟ وهل أنتجت الانتخابات انتقالا سياسيا جديدا، أم أعادت ترتيب الوجوه والمواقع داخل قواعد لم تتغير؟
انتخابات بلا أفق سياسي جديد
اعتبرت أمينة ماء العينين أن انتخابات 23 شتنبر لم تحمل معها لحظة سياسية فاصلة، ولم تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الإصلاح والانفتاح.
وترى القيادية في حزب العدالة والتنمية أن الانتخابات مرت باعتبارها موعداً دستوريا أكثر منها مناسبة لإحداث تحول في المشهد السياسي، معتبرة أن نتائجها لم تنتج انتقالا حقيقيا، بل كرست إلى حد كبير منطق الاستمرارية.
وبالنسبة إليها، فإن قيمة الانتخابات لا ينبغي أن تقاس بمجرد انتظام مواعيدها أو احترام بعض الإجراءات، وإنما بما تستطيع إنتاجه من تغيير في موازين الحياة السياسية وفي علاقة المؤسسات بالمجتمع.
الدورية والحياد والتعيين.. هل يكفي احترام القواعد؟
وتوقفت ماء العينين عند ثلاثة عناصر يجري تقديمها باعتبارها من مكاسب الانتخابات الأخيرة: انتظام الاستحقاقات، وحياد السلطة، ثم تعيين رئيس الحكومة وفق الفصل 47 من الدستور.
غير أنها ترى أن هذه العناصر لم يعد من المفترض أن تشكل إنجازا استثنائيا بعد أكثر من عقد على دستور 2011. فانتظام الانتخابات، في نظرها، أصبح أمرا مفترضا، كما أن حياد الإدارة والسلطة ينبغي أن يكون قاعدة مؤسساتية لا مناسبة للاحتفاء.
وتذهب أبعد من ذلك حين تربط الحياد بضرورة التدخل الإيجابي لإزالة العوائق التي تحول دون انتخابات قادرة على إنتاج تحول سياسي حقيقي، بدل الاكتفاء بمجرد عدم التدخل المباشر في العملية الانتخابية.
أما التعيين الملكي لرئيس الحكومة، فتعتبره بدوره جزءا من القواعد الدستورية التي يفترض أن تكون قد أصبحت مستقرة، لا عنوانا كافيا للحكم على مستوى التقدم الديمقراطي.
حين تتغير النتائج ولا يتغير السلوك السياسي
وفي قراءتها للخريطة التي أفرزتها الانتخابات، ترى ماء العينين أن أحد مؤشرات التراجع يكمن في استمرار السلوك الحزبي نفسه، رغم تغير ترتيب الأحزاب.
وتشير، في هذا السياق، إلى تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج، معتبرة أن تغيير المواقع داخل الخريطة الانتخابية لا يعني بالضرورة حدوث تحول في الممارسة السياسية أو في طريقة تدبير التنافس الحزبي.
بمعنى آخر، قد تتغير الأرقام والمراتب، لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: هل تغيرت قواعد اللعبة السياسية نفسها؟
مشاركة ضعيفة.. وشرعية تحت الضغط
وتضع ماء العينين ضعف المشاركة في قلب المشكلة، معتبرة أن انخفاض إقبال المواطنين على صناديق الاقتراع يفرغ التمثيل السياسي من جزء أساسي من معناه.
فبالنسبة إليها، لا تكفي دورية الانتخابات ولا احترام المساطر الدستورية ولا تعيين رئيس الحكومة للحديث عن دينامية ديمقراطية سليمة، إذا ظل المواطن بعيدا عن العملية الانتخابية.
وتستند في ذلك إلى نسبة مشاركة لم تتجاوز 38.02 في المئة، وهي من أدنى النسب المسجلة في الانتخابات التشريعية منذ سنوات، ما يطرح، بحسبها، سؤالا مباشرا أمام كل منتخب: كم مواطناً اختارك فعلا؟
ومن هنا يصبح الحديث عن تمثيل الأمة أكثر تعقيداً عندما تكون الكتلة الأكبر من المواطنين قد اختارت عدم المشاركة.
السؤال الأصعب: ماذا حدث داخل صندوق الاقتراع؟
أما المؤشر الرابع، فتربطه ماء العينين بالنتائج نفسها، إذ تشكك في بلوغ العملية الانتخابية درجة كاملة من الشفافية.
وهنا تنتقل قراءتها من سؤال المشاركة إلى سؤال الثقة في المخرجات: فإذا كانت الانتخابات لا تنتج تحولا سياسيا، وإذا كان السلوك الحزبي لا يتغير، وإذا كانت المشاركة تتراجع، فإن سلامة النتائج تصبح بدورها جزءاً من النقاش حول الشرعية السياسية.
وهكذا، فإن القراءة التي تقدمها ماء العينين لا تتوقف عند الانتخابات باعتبارها حدثا انتهى بإعلان النتائج، بل تضعها أمام اختبار أوسع: هل ما جرى في 23 شتنبر كان مجرد تجديد للمؤسسات المنتخبة، أم فرصة ضائعة لإعادة بناء الثقة وفتح أفق سياسي جديد؟
بين شرعية الصندوق وأزمة السياسة
في النهاية، تبدو خلاصة ماء العينين أكثر ارتباطاً بأزمة السياسة منها بأزمة الانتخابات وحدها. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، ليست في إجراء الانتخابات في موعدها، ولا في انتقال الأصوات بين الأحزاب، ولا حتى في تشكيل أغلبية جديدة، وإنما في أن العملية برمتها لم تنتج، إلى الآن، جوابا مقنعا عن السؤال الأكبر: كيف يمكن أن تستعيد المؤسسات المنتخبة قدرتها على تمثيل المجتمع وصناعة القرار، بدل أن تظل الانتخابات مجرد محطة لإعادة توزيع المواقع داخل المشهد نفسه؟





