
تطرح ملاحظات الباحثة والناشطة الحقوقية سارة سوجار بشأن الشراكة المغربية الإسبانية والأوروبية، تفاعلا مع ملف الهجرة في الخطاب الملكي الأخير: سؤالا جوهريا حول حدود التوازن بين المصالح السياسية للدول والتزاماتها الحقوقية، خصوصا في ملفات الهجرة واللجوء والترحيل.
فبينما يحق للمغرب الدفاع عن سيادته ومصالحه والمطالبة بتعاون أكثر إنصافا مع شركائه الأوروبيين، تظل هناك أسئلة لا يمكن تجاوزها بشأن مصير الأشخاص الذين تتأثر حياتهم مباشرة بالاتفاقات الأمنية وإجراءات ضبط الحدود.
ومن هذا المنطلق، لا تكتفي سوجار بقراءة الخطاب الداعي إلى مراجعة شروط التعاون من زاوية ميزان القوى بين الرباط ومدريد أو بين المغرب والاتحاد الأوروبي، بل تدعو إلى إخضاع هذه الشراكة لاختبار حقوقي يضع كرامة الإنسان وحقه في الحماية والإنصاف في صلب تقييم نتائجها.
السيادة الوطنية لا تعفي من المساءلة الحقوقية
تلاحظ سارة سوجار أن الخطاب المطالب بشراكة متساوية مع أوروبا يدافع بوضوح عن حق المغرب في رفض الضغوط الخارجية ومراجعة شروط التعاون، لكنه لا يمنح الوضوح نفسه لحقوق الأشخاص الذين تطالهم سياسات الهجرة والترحيل.
فحين تقدم بعض القوانين والأحكام القضائية الأوروبية باعتبارها عوائق أمام تنفيذ الاتفاقات، يصبح من الضروري التمييز بين ما تعتبره الدول قيودا على تدبير مصالحها، وما تمثله تلك القواعد من ضمانات لحماية الأفراد من الخطر أو الاضطهاد.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن استقلال القرار الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز تقييم آثار السياسات العمومية على الحقوق والحريات. فالدفاع عن السيادة المغربية لا يتعارض مع مساءلة مضمون القرارات المتخذة باسمها، كما أن المطالبة بتعاون متوازن مع أوروبا لا تكتمل من دون مساءلة مشتركة عن النتائج الإنسانية لهذا التعاون.
حاجة أوروبا إلى المغرب: قوة تفاوضية أم استمرار لوظيفة حراسة الحدود؟
تمنح حاجة أوروبا إلى التعاون مع المغرب في تدبير الهجرة وضبط الحدود وتنفيذ قرارات الترحيل المملكة موقعا تفاوضيا مهما. غير أن سارة سوجار تحذر من أن تتحول هذه الأهمية إلى اختزال لدور المغرب في وظيفة أمنية تتمثل أساسا في منع العبور وتسهيل العودة.
ومع بدء تطبيق الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء خلال سنة 2026، تزداد أهمية التعاون مع دول الجوار المتوسطي في تنفيذ السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة. فإصدار قرار الترحيل داخل أوروبا لا يعني بالضرورة القدرة على تنفيذه خارجها، وهو ما يمنح الدول الشريكة، ومنها المغرب، أوراقا تفاوضية إضافية، لكنه يضعها أيضا أمام مطالب وضغوط متزايدة.
ومن هذه الزاوية، فإن قياس توازن الشراكة بحجم التمويل أو المكاسب الدبلوماسية وحده يظل قاصرا؛ إذ يمكن للمغرب أن يحسن شروط تفاوضه مع شركائه، بينما يستمر في تحمل تبعات سياسات تحدد أوروبا أولوياتها الأساسية. لذلك، لا يتعلق التوازن الحقيقي بتوزيع المنافع فقط، بل كذلك بتوزيع المسؤوليات القانونية والإنسانية، وبمدى احترام حقوق الأشخاص خلال تنفيذ الاتفاقات.
أزمة سبتة: الخلاف السياسي لا ينبغي أن يحجب مصير الضحايا
في قراءتها للخلاف المرتبط بأحداث سبتة، تثير سوجار الانتباه إلى الطريقة التي يمكن بها لتوصيف الأحداث سياسيا أن يعيد توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الطرفين. فتقديم ما جرى باعتباره «توظيفا للهجرة» يضع الجانب الأوروبي في موقع المدافع عن أمنه، بينما يضع المغرب في موقع المطالب بتبديد الشكوك وإثبات جدية تعاونه.
ويمكن، وفق هذه القراءة، فهم رفض الضغط على المغرب باعتباره رفضا لفرض توزيع غير متكافئ للمسؤوليات، لكن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى تأجيل البحث في ما تعرض له الأشخاص من عنف أو ما ارتبط بالأحداث من وفيات واختفاءات.
فالاتهامات السياسية لا تشكل، في حد ذاتها، دليلا على المسؤولية، مثلما أن الرد عليها لا يعوض التحقيق في الانتهاكات المحتملة.
وبين الموقفين، تبرز ضرورة إعمال آليات مستقلة وفعالة لتقصي الحقائق، وتحديد المسؤوليات بناء على الأدلة، وضمان حق الضحايا وأسرهم في معرفة ما وقع والوصول إلى العدالة.
ترحيل القاصرين: حين تصبح الضمانات القانونية ضرورة لا عائقا
تدعو سوجار إلى التمييز بين بطء المساطر القانونية وبين الضمانات التي تفرضها لحماية الأشخاص المعنيين، خصوصا الأطفال. وفي هذا السياق، تستحضر دلالة قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في يناير 2024 بشأن عدم قانونية إعادة قاصرين من سبتة دون احترام الإجراءات المطلوبة ودراسة الحالات بصورة فردية.
ولا تجزم سوجار بأن الخطاب الذي تنتقده يستهدف هذا القرار تحديدا، لكنها تستحضر مضمونه لإبراز أن الاتفاقات بين الدول لا يمكن أن تحل محل التقييم الفردي للمصلحة الفضلى للطفل.
فعودة القاصر إلى بلد الأصل لا تعني بالضرورة عودته إلى بيئة آمنة، ما يفرض دراسة وضعيته والاستماع إليه والتحقق من ظروف استقباله والرعاية التي سيحظى بها.
ومن ثم، فإن تسريع الإجراءات قد يشكل إصلاحا حين يساهم في تحسين البت في الملفات، لكنه يتحول إلى تراجع حقوقي إذا جرى على حساب الضمانات القانونية التي تحمي الأطفال من الإعادة إلى ظروف تهدد سلامتهم.
«انتحال صفة اللجوء»: الاشتباه لا يسبق فحص طلب الحماية
تتوقف سوجار عند استخدام تعبير «انتحال صفة اللجوء»، لما قد ينطوي عليه من افتراض مسبق بأن بعض طالبي الحماية يتقدمون بمطالب غير حقيقية قبل فحص أوضاعهم وأسباب فرارهم.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل إدراج المغرب ضمن القائمة الأوروبية لبلدان المنشأ الآمنة؛ إذ إن تصنيف دولة باعتبارها آمنة، وفق المعايير المعتمدة، لا يعني أن كل فرد ينتمي إليها يتمتع فعليا بالحماية أو أنه لا يمكن أن يتعرض للاضطهاد أو العنف.
فقد يواجه الشخص خطرا محددا، أو يتعذر عليه طلب الحماية بسبب الخوف من التبليغ أو التمييز أو غياب استجابة فعالة لشكاياته. ولذلك، لا ينبغي أن تحل الصورة العامة عن بلد المنشأ محل دراسة الظروف الفردية لكل طالب لجوء.
كما أن رفض طلب الحماية لا يثبت تلقائيا وجود تحايل؛ فقد يرتبط بعدم كفاية الأدلة أو عدم استيفاء الشروط القانونية، دون أن يعني بالضرورة اختلاق الوقائع. وهنا تكمن أهمية الفصل بين تقييم الطلبات وفقا للقانون وبين إطلاق أحكام مسبقة على أصحابها.
شهادات سبتة: عندما تصبح المراجعة السياسية مسألة حياة وحقوق
تكتسب ملاحظات سارة سوجار بعدا ميدانيا من خلال ما تستحضره من لقاءات وشهادات خلال زيارتها لسبتة، حيث التقت قاصرين يعيشون أوضاعا هشة، وطالبي لجوء، وأشخاصا تعرضوا، بحسب الشهادات التي استمعت إليها، لاعتداءات جنسية وعنصرية. كما استمعت إلى روايات عن عنف منسوب إلى عناصر أمنية مغربية وإسبانية.
وتدفع هذه التجارب إلى قراءة أي دعوة إلى إعادة الأشخاص أو تسريع ترحيلهم انطلاقا من آثارها المحتملة على حياتهم، لا من زاوية الأرقام والالتزامات الإدارية وحدها.
فالأشخاص الذين تعرضوا للعنف يحتاجون إلى العلاج والمأوى والمساعدة القانونية، وإلى ظروف آمنة تتيح لهم تقديم الشكايات وحفظ الأدلة ومتابعة الإجراءات القضائية.
وقد يؤدي ترحيلهم قبل تأمين هذه الضمانات إلى انقطاع العلاج أو تعذر متابعة الاعتداءات التي تعرضوا لها، بما يهدد فرصهم في الوصول إلى العدالة.
لذلك، فإن مراجعة الشراكة المغربية الأوروبية ينبغي ألا تقتصر على إعادة توزيع الأعباء الأمنية، بل يجب أن تشمل مسؤولية الطرفين عن حماية الضحايا والتحقيق في الانتهاكات المحتملة وضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة.
المفقودون والوفيات: الاختبار الحقيقي لجدية الشراكة
تضع سوجار ملف المفقودين والموتى ضمن المعايير الأساسية التي ينبغي اعتمادها للحكم على جدية أي مراجعة معلنة للتعاون في مجال الهجرة. فإذا كانت الاتفاقات تحدد مسؤوليات مراقبة الحدود ومنع العبور، فمن الضروري أن تحدد بالوضوح نفسه مسؤوليات البحث عن المفقودين، والتحقيق في الوفيات، والتعرف إلى الجثامين، وإبلاغ الأسر بمصير أبنائها.
ويتطلب ذلك توفير جهات مسؤولة وموارد كافية وإجراءات واضحة، حتى لا تظل العائلات عالقة بين المؤسسات، تنتظر إجابات لا تصل. فتراجع أعداد العابرين لا ينهي معاناة من يجهلون مصير أبنائهم، كما أن هدوء الحدود لا يسقط واجب الكشف عن حقيقة ما وقع عندها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال نجاح الشراكة في قدرتها على خفض العبور أو تنفيذ قرارات الترحيل؛ بل ينبغي أن يقاس أيضا بقدرتها على منع الانتهاكات، وضمان الشفافية، وإنصاف الضحايا، وصون حق الأسر في معرفة الحقيقة.
شراكة متوازنة تبدأ من كرامة الإنسان
تخلص الملاحظات التي تطرحها سارة سوجار إلى أن المغرب يملك كامل الحق في المطالبة بشراكة أكثر توازنا ومساواة، وفي الدفاع عن سيادته ومصالحه في مواجهة الضغوط الأوروبية. لكن هذه المطالب لا ينبغي أن تنفصل عن مضمون السياسات التي يجري التفاوض بشأنها، ولا عن آثارها على الأشخاص الذين يجدون أنفسهم في قلبها.
فالتوازن بين الدول لا يتحقق بمجرد تحسين الشروط المالية أو توسيع هامش المناورة الدبلوماسية، وإنما يتطلب أيضا تقاسما عادلا للمسؤوليات، واحتراما للضمانات القانونية، والتزاما بحماية الضحايا والتحقيق في الانتهاكات وكشف مصير المفقودين.
وفي النهاية، تضع هذه القراءة النقاش أمام معادلة واضحة: يمكن للمغرب أن يدافع عن سيادته، وأن يرفض الشروط غير المنصفة، وأن يطالب أوروبا بتحمل مسؤولياتها كاملة؛ لكن حقوق الأشخاص وكرامتهم تظل التزاما لا ينبغي أن يخضع للمساومة، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعيتهم الإدارية أو مسارات هجرتهم. فالشراكة التي تستحق وصف التوازن ليست تلك التي تتقاسم فيها الدول النفوذ والمكاسب فحسب، بل تلك التي لا تجعل الإنسان الحلقة الأضعف في حساباتها السياسية والأمنية.





