
تكشف الوثائق المرتبطة بجدول أعمال دورة أكتوبر لمجلس جهة سوس ماسة، المقرر عقدها بمدينة تارودانت، عن مجموعة من الاعتمادات المالية التي تطرح أسئلة جوهرية بشأن ترتيب الأولويات، ونجاعة الإنفاق العمومي، ومدى قدرة المجلس على تحويل الميزانيات المرصودة إلى مشاريع تنموية ملموسة يستفيد منها المواطنون.
وتأتي هذه المعطيات في سياق سياسي خاص، عقب الاستحقاقات التشريعية، ومع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية الحالية، ما يجعل مشروع ميزانية سنة 2027 أكثر من مجرد وثيقة مالية عادية؛ إذ يتحول إلى مناسبة لفتح نقاش حول حصيلة التدبير، ومآل المشاريع المبرمجة، ومدى انسجام النفقات المقترحة مع الحاجيات التنموية الحقيقية لجهة سوس ماسة.
وبين اعتمادات التعويضات والتنقلات، ومصاريف الكراء والصيانة، وتمويل المنصات الرقمية والملتقيات، تبرز أسئلة تستدعي أجوبة واضحة من رئاسة المجلس وباقي المتدخلين، ليس من باب التشكيك في قانونية النفقات، وإنما من منطلق الحق في معرفة كيفية تدبير المال العام، والنتائج المنتظرة من كل اعتماد مالي.
أكثر من 354 مليون سنتيم لتعويضات المنتخبين وتنقلاتهم
من بين أبرز الأرقام الواردة في مشروع ميزانية 2027، تخصيص 2.748 مليون درهم لتعويضات رئيس مجلس الجهة ونوابه والمستشارين، إلى جانب اعتمادات أخرى مرتبطة بالتنقل داخل المملكة وخارجها، ومصاريف المهام بالخارج، والتأمين عن الأعضاء.
وباحتساب مختلف البنود الواردة في الوثائق، تصل هذه الاعتمادات إلى نحو 3.543 مليون درهم، أي ما يفوق 354 مليون سنتيم، دون احتساب باقي النفقات المرتبطة بتنظيم أنشطة المجلس والندوات والملتقيات والإيواء والإطعام.
ورغم أن التعويضات ومصاريف التنقل قد تكون مبررة قانونيا وإداريا، فإن حجم هذه الاعتمادات يطرح سؤالا مشروعا حول طبيعة المهام التي تستدعيها، ومدى ارتباطها المباشر بخدمة التنمية الجهوية، والنتائج التي تحققها على أرض الواقع.
فالرأي العام لا يحتاج فقط إلى معرفة المبالغ المرصودة، بل يريد أيضا الاطلاع على حصيلة المهام والسفريات واللقاءات الممولة من المال العام، وما إذا كانت قد أسهمت فعليا في جلب الاستثمارات، أو تسريع المشاريع، أو تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
موارد ذاتية لا تتجاوز 71 مليون درهم.. والاعتماد مستمر على الدولة
من المؤشرات اللافتة في مشروع الميزانية، أن مجموع المداخيل المتوقعة لسنة 2027 يناهز 931.13 مليون درهم، منها 860 مليون درهم من تحويلات الدولة، مقابل 71.13 مليون درهم فقط من الموارد الذاتية.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الاعتماد الكبير على التمويلات القادمة من الدولة، في مقابل محدودية المداخيل التي تستطيع الجهة تعبئتها من مواردها الخاصة. كما أن تقديرات الموارد الذاتية لم تعرف تطورا يذكر مقارنة بسنة 2026، إذ انتقلت من 70.93 مليون درهم إلى 71.13 مليون درهم.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة سؤال قدرة مجلس الجهة على تنويع موارده المالية، وتطوير آليات استخلاص المداخيل المستحقة، والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية التي تزخر بها المنطقة، بما فيها الأنشطة المرتبطة بالموانئ والمقالع واستغلال الموارد والخدمات المختلفة.
وتزداد أهمية هذا السؤال عند الوقوف على بند فوائد الأموال المودعة بالخزينة، الذي يتضمن توقعات بتحصيل 7 ملايين درهم خلال سنة 2027، في حين تشير الوثائق إلى أن المبلغ المحصل إلى غاية 4 شتنبر 2026 بلغ صفرا، مقابل أكثر من 12.1 مليون درهم خلال سنة 2025.
وهو ما يستدعي توضيح الفرضيات التي بنيت عليها هذه التوقعات، ومدى واقعيتها، خصوصا أن تقدير المداخيل ينبغي أن يستند إلى معطيات مالية دقيقة، لا إلى أرقام يصعب تقييم إمكانية تحقيقها دون تقديم مبررات واضحة.
900 ألف درهم للكراء.. لماذا تحتاج الجهة إلى بنايات إضافية؟
ومن بين النفقات التي تستحق التوضيح، تخصيص 900 ألف درهم لكراء بنايات إدارية، رغم توفر الجهة على مقرين، وفق المعطيات الواردة في الوثائق.
ولا يعني هذا الاعتماد بالضرورة وجود اختلال في التدبير، فقد تكون هناك حاجيات إدارية أو وظيفية تبرر اللجوء إلى الكراء، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بطبيعة هذه البنايات، وأسباب عدم الاكتفاء بالمقرات المتوفرة، والكلفة الإجمالية المترتبة عن هذا الاختيار.
كما يتعين النظر إلى هذا الاعتماد في علاقته بمبلغ 5 ملايين درهم المخصص للصيانة والمحافظة على البنايات الإدارية، إلى جانب مصاريف أخرى للتجهيز واللوجستيك.
ففي تدبير الميزانيات العمومية، لا يكفي إدراج النفقة ضمن مشروع الميزانية، بل ينبغي توضيح ضرورتها، ومدى تناسب كلفتها مع الحاجة الفعلية إليها، والبدائل الممكنة التي قد تسمح بتقليص المصاريف دون التأثير على السير العادي للمرافق.
مقر الجهة والمنصة الرقمية.. استثمارات تطرح سؤال الجدوى والتوقيت.
وتتجه الأنظار أيضا إلى الاعتمادات المرتبطة باستكمال بناء وتجهيز مقر مجلس جهة سوس ماسة، إذ تشير الوثائق المتعلقة بالوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى تخصيص 27 مليون درهم برسم تجهيز سنة 2026 لهذا الغرض، بما يشمل قاعة الدورات.
ويطرح هذا المعطى أسئلة حول الكلفة الإجمالية للمشروع، ومجموع المبالغ التي صرفت أو جرى الالتزام بها إلى حدود اليوم، والاعتمادات المتبقية لاستكمال الأشغال والتجهيز.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى استمرار تخصيص مبالغ أخرى للكراء والصيانة، وهو ما يستدعي تقديم صورة مالية شاملة تسمح بتقييم كلفة تدبير البنايات الإدارية، ومدى نجاعة توزيع الاعتمادات بينها.
وفي السياق نفسه، يبرز مشروع اتفاقية لإنجاز ومواكبة تنزيل منصة رقمية لتتبع مشاريع برنامج التنمية الجهوية وتدبير الاتفاقيات، بغلاف مالي يناهز 2.4 مليون درهم، أي 240 مليون سنتيم.
ومن حيث المبدأ، تشكل الرقمنة أداة مهمة لتحسين الحكامة وتسهيل تتبع المشاريع، غير أن جدوى هذا الاستثمار تظل مرتبطة بطبيعة الخدمات التي ستقدمها المنصة، ومدى تكاملها مع الأنظمة المعلوماتية الموجودة، وقدرتها على توفير معطيات دقيقة ومحينة بشأن تقدم المشاريع ونسب إنجازها وكلفتها وآجال تنفيذها.
كما يطرح توقيت المشروع، في مرحلة متقدمة من الولاية الحالية، ضرورة توضيح القيمة المضافة المنتظرة منه، والجدول الزمني لتنفيذه، والجهة التي ستتولى مواكبته بعد انتهاء الولاية.
فالأولوية ليست في إطلاق منصة رقمية جديدة في حد ذاتها، وإنما في ضمان أن تتحول الرقمنة إلى وسيلة فعلية للشفافية والمساءلة، تتيح لأعضاء المجلس والمواطنين معرفة المشاريع المتعثرة، وأسباب التأخر، وحجم الاعتمادات التي جرى صرفها.
55 مليون درهم للوكالة الجهوية.. أين وصلت المشاريع؟
وتشير الوثائق إلى اعتمادات تصل إلى 55 مليون درهم مرتبطة بالوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، موزعة بين 27 مليون درهم لتجهيز مقر الجهة برسم سنة 2026، و28 مليون درهم مقترحة خلال سنة 2027 لتغطية مصاريف الموارد البشرية واللوجستيك.
وفي مقابل هذه الاعتمادات، تبرز الحاجة إلى تقييم موضوعي لحصيلة الوكالة، من خلال تحديد عدد المشاريع التي أشرفت على تنفيذها، ونسب تقدمها، والمشاريع التي دخلت حيز الاستغلال، وتلك التي واجهت تأخرا في الإنجاز.
كما أن تقييم أداء الوكالة لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاعتمادات المرصودة لها، بل يتعين أن يشمل مدى احترام الآجال المحددة، وجودة الأشغال، وكلفة المشاريع مقارنة بالأهداف المعلنة.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في ضخ المزيد من الموارد المالية في أجهزة التنفيذ والتدبير، وإنما في ضمان تحويل هذه الموارد إلى نتائج ملموسة، خصوصا في المناطق التي ما تزال تنتظر مشاريع البنيات التحتية والخدمات الأساسية وفرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ملايين الدراهم للكراء والصيانة والملتقيات.. من يحدد الأولويات؟
وتتضمن الوثائق اعتمادات أخرى تهم مجالات التسيير، من بينها 5.5 ملايين درهم لكراء آليات النقل وآليات أخرى، و5 ملايين درهم للصيانة والمحافظة على البنايات الإدارية، و3 ملايين درهم للوازم المكتب والورق والطباعة والمطبوعات، و1.5 مليون درهم للدراسات والأبحاث والاستشارات القانونية، و2.9 مليون درهم للإعلانات القانونية والنشر.
كما تظهر اعتمادات مرتبطة بتنظيم الندوات والمناظرات والتداريب، والإيواء والإطعام، والتنقل، وغيرها من المصاريف المرتبطة بأنشطة المجلس.
ولا يمكن الحكم على ضرورة هذه النفقات أو عدمها انطلاقا من قيمتها وحدها، لأن بعضها قد يكون ضروريا لضمان السير العادي للمؤسسة وتنفيذ اختصاصاتها. لكن تجميعها ضمن صورة مالية شاملة يفرض التساؤل عن مدى التوازن بين نفقات التسيير والإنفاق الموجه إلى المشاريع التنموية ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين.
فجهة سوس ماسة، بما تعرفه من تحديات مرتبطة بالماء والتشغيل والبنيات التحتية والتنمية القروية والاستثمار، تحتاج إلى ميزانية تستجيب لأولويات واضحة، وتربط كل نفقة بأهداف قابلة للقياس والتقييم.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إلغاء نفقات التسيير أو الأنشطة المؤسساتية بشكل اعتباطي، بل إخضاعها لمعيار النجاعة، وتقديم المعطيات التي تسمح بمعرفة ما إذا كانت كلفتها متناسبة مع النتائج التي تحققها.
التصويت على الميزانية مسؤولية سياسية وأخلاقية
وتضع هذه المعطيات أعضاء مجلس جهة سوس ماسة أمام مسؤولية تتجاوز مجرد الحضور إلى دورات المجلس والتصويت على مشاريع الميزانية والاتفاقيات.
فالمصادقة على الاعتمادات المالية ينبغي أن تسبقها مناقشة جدية لمبررات الإنفاق، وأهدافه، والنتائج المنتظرة منه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشاريع أو نفقات تحتاج إلى مزيد من التوضيح.
ومن حق أعضاء المجلس المطالبة بتقديم الوثائق التكميلية، والاستفسار عن كلفة المشاريع، وطلب توضيحات بشأن المداخيل المتوقعة والنفقات المقترحة، قبل اتخاذ القرار.
كما أن مسؤولية الرقابة لا ينبغي أن تظل محصورة في رئاسة المجلس أو أجهزته الإدارية، بل تمتد إلى مختلف الأعضاء الذين يشاركون في المصادقة على القرارات المالية، كل بحسب اختصاصاته ومسؤولياته.
فالميزانية ليست مجرد أرقام داخل جداول محاسباتية، بل هي ترجمة عملية للاختيارات السياسية والتنموية للمجلس. وكل قرار بشأنها يحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، المجالات التي ستحظى بالأولوية، والموارد التي ستوجه إليها، والنتائج التي يفترض تحقيقها.
بعد الانتخابات.. حان وقت تقييم الحصيلة
إن الوثائق المعروضة على دورة أكتوبر تفتح نقاشا أوسع بشأن حصيلة تدبير مجلس جهة سوس ماسة، ومدى نجاحه في تحقيق التوازن بين نفقات التسيير ومتطلبات التنمية، وبين الموارد المتاحة والحاجيات المتزايدة للساكنة.
فبعد الاستحقاقات التشريعية، ومع اقتراب نهاية الولاية الحالية، يصبح من الضروري الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع والاعتمادات إلى منطق تقييم النتائج والمحاسبة على الحصيلة.
ومن حق المواطنين معرفة ما تحقق من برامج التنمية الجهوية، وما تعثر منها، وما أسباب التأخر، وحجم الأموال التي صرفت، والنتائج التي تحققت مقابلها. كما يحق لهم معرفة أسباب استمرار محدودية الموارد الذاتية، ومبررات بعض النفقات، ومدى انعكاس الاختيارات المالية للمجلس على واقع التنمية بالجهة.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بإصدار أحكام مسبقة على قانونية الاعتمادات الواردة في مشروع الميزانية، وإنما بالمطالبة بالشفافية وتوفير المعطيات التي تسمح بتقييمها بصورة موضوعية.
فالمطلوب من مجلس جهة سوس ماسة اليوم ليس فقط المصادقة على ميزانية جديدة، بل تقديم أجوبة واضحة عن أسئلة الأولويات والنجاعة والحصيلة. أما أعضاء المجلس، فإن مسؤوليتهم تقتضي التعامل مع التصويت باعتباره قرارا له تبعات سياسية وتنموية، وليس مجرد إجراء شكلي داخل قاعة الاجتماعات.
فالمال العام لا تبرره الأرقام المرصودة وحدها، وإنما تبرره النتائج المحققة. ومع اقتراب نهاية الولاية، يصبح السؤال الأكثر إلحاحا: ماذا أنجز مجلس جهة سوس ماسة فعليا مقابل كل هذه الاعتمادات المالية؟





