
العسري يفضح مفارقة التعيين والتنصيب
أثار جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، إشكالية دستورية وسياسية تتعلق بالتمييز بين تعيين الحكومة وتنصيبها، محذرا مما اعتبره توجها نحو الالتفاف على بعض المقتضيات الدستورية التي تربط شرعية الحكومة بالحصول على ثقة مجلس النواب.
وفي تدوينة له، اختار العسري مساءلة العلاقة بين الدستور والقوانين التنظيمية، واضعا ما سماه «جدلية الدستور والقانون التنظيمي» في قلب النقاش حول الوضع القانوني للحكومة الجديدة، التي عُيّنت أعضاؤها دون أن تحصل بعد على ثقة المؤسسة التشريعية.
واعتبر القيادي اليساري أن المسألة لا تتعلق بمجرد نقاش تقني حول تدبير المرحلة الفاصلة بين تعيين الحكومة وتنصيبها، بل تمس جوهر السيادة الشعبية وحدود سلطة المؤسسات المنتخبة في منح الشرعية الدستورية للسلطة التنفيذية.
الفصل 88 يطرح السؤال
استند العسري إلى الفصل 88 من الدستور، الذي ينص في فقرته الثالثة على أن الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، معتبرا أن هذا المقتضى يؤسس لثنائية في تشكيل الشرعية الدستورية للحكومة: التعيين الملكي من جهة، والتنصيب البرلماني من جهة أخرى.
وشدد على أن الحكومة لا تستكمل، وفق قراءته، شرعيتها الدستورية إلا بعد حصولها على ثقة أغلبية مجلس النواب، باعتبارها المؤسسة التي تمثل الأمة في إطار النظام الدستوري المغربي.
وفي هذا السياق، اعتبر أن دستور 2011 سجل تقدما مقارنة بالدساتير السابقة، من خلال التنصيص على دور البرلمان في منح الثقة للحكومة، مبرزا أن حصر هذه الصلاحية في مجلس النواب ليس تفصيلا إجرائيا، وإنما يعكس ارتباط تشكيل الحكومة بنتائج الاقتراع وبالتمثيلية السياسية للأمة.
وذكّر العسري بأن الحزب الاشتراكي الموحد قاطع دستور 2011، لكنه يرى، رغم ذلك، أن المقتضيات المتعلقة بالتنصيب البرلماني للحكومة تمثل مكسبا دستوريا ينبغي عدم الالتفاف عليه أو إفراغه من مضمونه.
ماذا لو رفض البرلمان منح الثقة؟
وضع الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد سؤالين في صلب قراءته للوضع الحالي: ماذا لو فشلت الحكومة في الحصول على ثقة أغلبية مجلس النواب؟ وماذا لو تفككت الأغلبية الحكومية وانسحب أحد مكوناتها؟
ومن خلال هذين السؤالين، يلفت العسري الانتباه إلى الإشكالات التي قد تطرحها المرحلة الانتقالية بين تعيين الحكومة وحصولها على الثقة البرلمانية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتحديد حدود صلاحياتها قبل استكمال مسطرة التنصيب.
وفي مقابل مقتضيات الفصل 88، توقف العسري عند المادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، والتي تحدد، بحسب ما أورده في تدوينته، مهام الحكومة خلال هذه المرحلة في إعداد البرنامج الحكومي، واتخاذ قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية، فضلا عن ممارسة الصلاحيات المرتبطة بتصريف الأعمال.
غير أن العسري يرى أن الإشكال لا ينتهي عند تحديد هذه المهام، بل يمتد إلى مدى انسجام التأويل المعتمد لهذا القانون التنظيمي مع روح الدستور ومقتضياته المتعلقة بالسيادة الشعبية.
هل تتقدم القوانين التنظيمية على الدستور؟
يربط العسري هذا النقاش بموقفه السياسي الداعي إلى بناء ملكية برلمانية، وإلى تمكين البرلمان من ممارسة صلاحياته كاملة، انطلاقا من وظيفته التمثيلية للشعب، وما يتفرع عنها من اختصاصات تشريعية ورقابية وتقييم للسياسات العمومية.
واستحضر في هذا الصدد الفصل الثاني من الدستور، الذي ينص على أن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها، الذين تختارهم عبر الاقتراع الحر والنزيه والمنتظم.
وبناء على ذلك، تساءل عما إذا كان تأويل مقتضيات القانون التنظيمي على نحو يوسع صلاحيات الحكومة قبل تنصيبها قد يؤدي إلى تجاوز دور مجلس النواب، أو إلى إضعاف التقدم الذي أقره دستور 2011 في ما يتعلق بازدواجية التعيين والتنصيب.
ويذهب العسري إلى أن الخطر يكمن في أن تتحول بعض القوانين التنظيمية، بدل أن تكون أداة لتفعيل الدستور، إلى وسيلة لتأويله بشكل رجعي، بما قد يحد من أثر المقتضيات التي تعزز دور المؤسسات المنتخبة.
من الحق في الإضراب إلى صلاحيات الحكومة
ولم يحصر العسري انتقاداته في الوضع الدستوري للحكومة الحالية، بل وضعها ضمن سياق أوسع من مراجعة التشريعات التنظيمية التي يرى أنها قيدت بعض المكتسبات الدستورية.
واستحضر، في هذا الإطار، الجدل الذي رافق تنظيم الحق في الإضراب، معتبرا أن القانون التنظيمي المرتبط به انتهى، في نظره، إلى تقييد هذا الحق بدل ضمان ممارسته، ومشبها ذلك بما يخشاه من إمكانية إفراغ المقتضيات المتعلقة بتنصيب الحكومة من مضمونها السياسي والدستوري.
ومن هذا المنطلق، دعا إلى مراجعة عميقة للدستور، تستتبعها مراجعة القوانين التنظيمية التي يعتبر أنها كرست تأويلا رجعيا للمقتضيات الدستورية، وخدمت، بحسب تعبيره، السلطوية والتسلط.
كما استحضر المرحلة التي أعقبت حراك 20 فبراير، موجها انتقادات إلى الحكومة التي ترأسها عبد الإله بنكيران، ومذكرا بتصريحاته السابقة التي قال فيها إنه مجرد موظف لدى الملك، وبموقفه الرافض للملكية البرلمانية.
وختم العسري تدوينته بانتقاد ما اعتبره منطق طي الملفات السياسية والتشريعية دون مساءلة، مستحضرا شعار «عفا الله عما سلف».
معركة الشرعية قبل معركة الصلاحيات
تتجاوز تدوينة جمال العسري النقاش القانوني حول تدبير المرحلة السابقة لتنصيب الحكومة، لتطرح سؤالا سياسيا أعمق: هل تكون القوانين التنظيمية أداة لتفعيل الدستور أم مدخلا لتقليص أثره؟ فجوهر الإشكال، في نظره، هو ألا يتحول التعيين إلى شرعية مكتملة قبل ثقة البرلمان، وألا يصبح النص التنظيمي بديلا عن الإرادة الشعبية التي يفترض أن تجسدها المؤسسة التشريعية.





