
لم يتعامل جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد المكون داخل تحالف اليسار، مع نتائج انتخابات 23 شتنبر باعتبارها مجرد أرقام أفرزت أغلبية ومعارضة، بل وضعها في سياق سياسي أوسع يتعلق بشروط إنتاج السلطة وبمدى استقلال العملية الانتخابية عن منطق التحكم.
وفي تدوينة على حسابه الشخصي بموقع فايسبوك، اعتبر العسري أن الانتخابات التشريعية الأخيرة كانت بعيدة عن أن توصف بأنها «نزيهة وحرة وشفافة وديمقراطية»، مجددا انتقاده لإشراف وزارة الداخلية على الاستحقاق الانتخابي، ومشيرا إلى أن النتائج انتهت إلى تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، بما يفتح أمامه الطريق لتحقيق الهدف الذي يرى العسري أنه ارتبط بتأسيس الحزب منذ البداية، والمتمثل في قيادة الحكومة.
من نتائج الاقتراع إلى هندسة السلطة
قراءة العسري لا تتوقف عند سؤال من تصدر الانتخابات، وإنما تربط النتيجة بالوظيفة السياسية التي يؤديها الحزب المتصدر داخل بنية السلطة.
فبالنسبة إليه، وفق التدوينة ذاتها، وصول الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى لا يمكن فصله عن المسار الذي قطعه الحزب منذ تأسيسه، وعن موقعه داخل المشهد السياسي المغربي.
وبهذا المعنى، تصبح الانتخابات، في نظر العسري، أكثر من منافسة بين برامج حزبية؛ إنها اختبار لطبيعة العلاقة بين صندوق الاقتراع ومراكز القرار، وبين التعددية الحزبية الفعلية وما يعتبره استمراراً لمنطق هندسة المشهد السياسي.
وفي المقابل، يضع العسري تحالف اليسار في موقع مختلف، مؤكدا أن التحالف هو «تحالف الشعب»، وأن الأصوات التي حصل عليها كانت نتيجة اقتناع انتخابي يستحق أن يتحول إلى قوة سياسية داخل البرلمان، لا إلى ورقة تفاوض حول المناصب الحكومية.
«المعارضة المواطنة» بدل المساومة
اختيار تحالف اليسار للمعارضة، وفق العسري، ليس انسحابا من الفعل السياسي، بل محاولة لإعادة تعريف المعارضة نفسها.
فهو يتحدث عن «معارضة مواطنة» لا تتساهل في الدفاع عن مصالح المواطنين والمواطنات وعن الوطن، ولا تجعل موقعها البرلماني مدخلا للحصول على امتيازات أو حقائب.
كما شدد التحالف على أنه لن يخضع، بحسب خطابه، لـ«التحكم وإغراءات المال»، مقدما نفسه كقوة تسعى إلى بناء بديل سياسي واجتماعي في مواجهة ما يصفه بسياسة الإفقار وهيمنة المال على الحياة السياسية.
أين يجب أن تجري مشاورات الحكومة؟
انتقل العسري في تدوينته، من مضمون المفاوضات إلى مكان إجرائها، معتبرا أن اختيار مقر حزب الأصالة والمعاصرة بالرباط لعقد مشاورات تشكيل الحكومة يطرح مشكلة سياسية ومؤسساتية.
ويستند العسري في انتقاده إلى مقارنة مع تجارب ديمقراطية أوروبية، مشيرا إلى أن رؤساء الحكومات المعينين في فرنسا وبريطانيا وإسبانيا يجرون مشاوراتهم السياسية لتشكيل حكوماتهم خارج المقار الحزبية.
وكان تحالف اليسار قد أعلن أن فاطمة الزهراء المنصوري تواصلت مع كل من جمال العسري وعبد السلام لعزيز لعقد لقاء حول تشكيل الحكومة، غير أن التحالف اشترط أن يتم اللقاء في فضاء مستقل عن مقرات الأحزاب، حتى يأخذ طابعا مؤسساتيا ينسجم مع موقع المنصوري كرئيسة حكومة معينة، ومع موقع الأمناء العامين للأحزاب السياسية.
المشكلة ليست في مكان الاجتماع فقط
المغزى الأعمق في موقف العسري لا يتعلق فعليا بعنوان مقر الاجتماع، بل بالسؤال الذي يختبئ خلفه: هل نحن أمام حكومة حزبية تحكم باسم برنامجها الانتخابي، أم أمام حكومة حزبية تشتغل داخل حدود مرسومة سلفا؟
فرفض تحالف اليسار أن يدخل مفاوضات تشكيل الحكومة من داخل مقر حزب الأصالة والمعاصرة يحمل رسالة تتجاوز البروتوكول: المشاركة في السلطة يجب أن تبدأ من الاعتراف بأن الحكومة مؤسسة دستورية، وليست امتدادا تنظيميا للحزب الذي يقودها.
ومن هنا تبدو معركة تحالف اليسار وفق العسري مرتبطة بثلاثة مستويات متداخلة: نزاهة الانتخابات، استقلال القرار الحكومي، وحدود السلطة الفعلية للحكومة.
فإذا كانت الانتخابات لا تمنح الأحزاب، في تصور التحالف، تفويضا سياسيا واضحا، وإذا كانت المفاوضات الحكومية تجري في فضاء حزبي بدل فضاء مؤسساتي، فإن السؤال يصبح أكبر من تشكيل الأغلبية: من يحكم فعليا، وبأي تفويض، وأين تنتهي سلطة الحزب وتبدأ سلطة الدولة؟
وهنا تحديداً تكتسب «المعارضة المواطنة» التي يتحدث عنها العسري معناها السياسي. فالمعارضة التي يعلنها تحالف اليسار لا تريد أن تكون مجرد موقع مقابل للحكومة، وإنما تريد اختبارا عمليا لفكرة أن البرلمان يمكن أن يستعيد دوره في مراقبة الحكومة، وأن الحكومة يجب أن تكون مسؤولة سياسيا أمام الأغلبية البرلمانية والمعارضة والرأي العام، لا أن تتحول إلى جهاز لتنفيذ برنامج يتجاوز التفويض الانتخابي.
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي أمام تحالف اليسار ليس فقط أن ينتقد الحكومة الجديدة، بل أن يستثمر مقاعده الثمانية في تحويل المعارضة إلى مشروع لبناء بديل سياسي؛ أي أن يثبت أن الخروج من الحكومة لا يعني الخروج من معركة السلطة، وإنما يمكن أن يكون بداية لمعركة أعمق حول من يحكم، ومن يقرر، ومن يتحمل المسؤولية أمام المواطنين.





