
أعادت مناقشة مشروع ميزانية جماعة أكادير لسنة 2027 فتح النقاش حول أولويات الإنفاق العمومي، ومدى انعكاس الاعتمادات المالية المرصودة على جودة الخدمات المقدمة للساكنة، في ظل استمرار مطالب بتعزيز العدالة المجالية وتحسين تدبير المشاريع الجماعية.
وفي أجوبتها عن أسئلة «دابا بريس»، شددت سناء فوزي المستشارة عن حزب فيدرالية اليسار، من منظور المعارضة داخل المجلس الجماعي لأكادير، على أن تقييم الميزانية لا ينبغي أن يقتصر على حجم الموارد المالية المرصودة، بل يتعين أن ينطلق أساساً من طبيعة الاختيارات المعتمدة، ومدى نجاعتها، وقدرتها على الاستجابة للحاجيات اليومية للمواطنات والمواطنين.
ارتفاع الميزانية يطرح سؤال الأولويات
واعتبرت فوزي أن الميزانية الجماعية ليست مجرد وثيقة محاسباتية تتضمن الإيرادات والنفقات، بل تعكس الاختيارات السياسية والاجتماعية للأغلبية المسيرة، مشيرة إلى أن المعطيات المتاحة بشأن مشروع ميزانية 2027 تتحدث عن غلاف مالي يقارب 850 مليون درهم، مقابل 791 مليون درهم سنة 2026.
وبحسب هذه الأرقام، يرتفع حجم الميزانية بنحو 59 مليون درهم، أي بنسبة تقارب 7.5 في المائة، غير أن هذا التطور، وفق المقاربة التي تدافع عنها المعارضة، يطرح سؤالاً أساسياً بشأن كيفية توزيع الاعتمادات، وحصة الاستثمار المنتج منها، ومدى استفادة الأحياء التي تعاني من نقص التجهيزات والمرافق الأساسية.
وأكدت فوزي أن ارتفاع الميزانية لا يعني بالضرورة تحسن مستوى التنمية، ما لم يقترن بإنجازات ملموسة، ومؤشرات واضحة لقياس النتائج، وآجال محددة لتنفيذ المشاريع، بما يسمح بتقييم أثر الإنفاق العمومي على الحياة اليومية للساكنة.
الموارد الذاتية والاعتماد على تحويلات الدولة
وفي ما يتعلق بموارد الجماعة، أثارت فوزي مسألة تعزيز الاستقلالية المالية لأكادير، بالنظر إلى مؤهلاتها الاقتصادية والسياحية والعقارية، معتبرة أن تطوير الموارد الذاتية يظل من المداخل الأساسية لتحسين قدرة الجماعة على تمويل مشاريعها التنموية.
وأبرزت، في هذا السياق، أهمية تحديث الوعاء الجبائي، وتحسين استخلاص المستحقات، وتدبير الممتلكات الجماعية بكفاءة أكبر، إلى جانب توسيع قاعدة الموارد وفق مقاربة تراعي الأوضاع الاقتصادية للمقاولات الصغيرة والمهنيين.
ولا يتعلق الأمر، بحسب هذا التصور، برفع الرسوم بشكل عشوائي، بل بتحسين مردودية الموارد المتاحة، وتعزيز الشفافية في تدبيرها، وربط الجباية المحلية بجودة الخدمات التي يستفيد منها المواطنون.
نفقات الكراء والرقمنة تحت المجهر
وتوقفت أجوبة سناء فوزي عند عدد من النفقات التي تستدعي، من وجهة نظرها، تقديم توضيحات إضافية بشأن ضرورتها وكلفتها ومردوديتها، وفي مقدمتها الاعتمادات المخصصة لكراء البنايات الإدارية، والمنصة الرقمية لتتبع المشاريع.
وفي هذا الإطار، يطرح تخصيص 900 ألف درهم لكراء بنايات إدارية، وفق المعطيات الواردة في الأسئلة الموجهة إليها، تساؤلات حول مدى استغلال الممتلكات الجماعية المتاحة، وطبيعة الحاجيات الإدارية التي تستدعي اللجوء إلى الكراء، وكلفة البدائل الممكنة.
وشددت فوزي على ضرورة تقديم معطيات دقيقة بشأن البنايات المعنية، والمصالح التي ستشغلها، ومدة الكراء، والتكلفة الإجمالية، قبل إصدار أي حكم نهائي بشأن جدوى هذه النفقة.
كما أثار الاعتماد المقترح بقيمة 2.4 مليون درهم لإنجاز منصة رقمية لتتبع المشاريع تساؤلات حول طبيعة الخدمات التي ستقدمها، ومدى تكاملها مع الأنظمة المعلوماتية الموجودة، ولا سيما نظام GID-CT، فضلاً عن كلفة المشروع والنتائج المنتظرة منه.
وأكدت فوزي أن المعارضة لا ترفض الرقمنة من حيث المبدأ، لكنها تطالب بأن تكون المشاريع الرقمية ذات منفعة مثبتة، وأن تتيح تتبع نسب الإنجاز والآجال والتكاليف، بما يعزز الشفافية ويسهل مراقبة تنفيذ الالتزامات.
تعويضات المنتخبين ومردودية الإنفاق
وبخصوص النفقات المرتبطة بتعويضات المنتخبين والتنقلات، اعتبرت فوزي أن النقاش ينبغي أن يركز على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، دون المساس بالحقوق القانونية للمنتخبين في ممارسة مهامهم.
وترى أن من حق المواطنين الاطلاع على المعطيات المتعلقة بهذه النفقات وفق القواعد القانونية، ومعرفة مدى ارتباطها بمهام فعلية ونتائج قابلة للتقييم، بما يضمن وضوح أوجه صرف المال العام ومردوديته.
وتندرج هذه المطالب، وفق المقاربة التي عرضتها، ضمن ضرورة إخضاع مختلف بنود الميزانية لمعايير النجاعة والشفافية، وعدم التعامل مع النفقات المتكررة باعتبارها التزامات ثابتة لا تحتاج إلى تقييم دوري.
المشاريع المتعثرة ومساءلة الجهات المسؤولة
وفي ما يتعلق بحصيلة المشاريع التنموية، دعت فوزي إلى تجاوز الاكتفاء بالإعلان عن الاعتمادات المالية والاتفاقيات الموقعة، نحو تقديم حصيلة دقيقة تميز بين المشاريع المبرمجة، وتلك التي دخلت مرحلة التنفيذ، والمشاريع المكتملة التي أصبحت خدماتها متاحة للساكنة.
وأكدت أهمية نشر معطيات مفصلة بشأن الكلفة الأولية والنهائية للمشاريع، ونسب الإنجاز، والآجال المحددة، وأسباب التأخر أو تجاوز الكلفة، مع تحديد مسؤولية مختلف الجهات المتدخلة في التنفيذ.
كما شددت على ضرورة تقييم حصيلة الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع وفق النتائج الفعلية، ومدى احترام معايير الجودة والآجال، فضلاً عن توزيع الاستثمارات بين أقاليم الجهة وجماعاتها، بما يحد من التفاوتات المجالية.
وبخصوص المشاريع المرتبطة ببرنامج التنمية الحضرية لأكادير، اعتبرت أن أي تعديلات على الاتفاقيات أو البرمجة تستوجب توضيح مبرراتها وانعكاساتها على الكلفة والآجال، حتى يتمكن المجلس والساكنة من تقييم مدى تقدم الالتزامات المعلنة.
العدالة المجالية في صلب المطالب
وعلى مستوى الأولويات الاجتماعية والتنموية، دعت فوزي إلى توجيه الموارد نحو الأحياء التي ما زالت تواجه خصاصاً في التجهيزات الأساسية، بما يشمل الإنارة العمومية، وصيانة الطرق والأرصفة، وتصريف مياه الأمطار، وتحسين الفضاءات العمومية، فضلاً عن تعزيز مرافق القرب والخدمات الموجهة للشباب والنساء والأطفال.
كما أبرزت أهمية تحسين خدمات النقل والتنقل، وتوزيع الاستثمارات بشكل أكثر توازناً بين مختلف أحياء المدينة، معتبرة أن التنمية لا ينبغي أن تظل محصورة في المشاريع الكبرى، بل يتعين أن تنعكس أيضاً على ظروف العيش اليومية للسكان.
وفي هذا السياق، أكدت أن ترشيد النفقات لا يعني إلغاء الاعتمادات الإدارية أو الرقمية بشكل آلي، وإنما إخضاعها لتقييم دقيق يقارن بين كلفتها والنتائج التي تحققها، مع إعادة توجيه الوفورات الممكنة، وفق المساطر القانونية، نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً.
المعارضة بين الرقابة والاقتراح
وبشأن موقف المعارضة من مشروع ميزانية 2027، أوضحت فوزي أن دورها لا يقتصر على رفض اختيارات الأغلبية المسيرة، بل يشمل أيضاً تقديم مقترحات تروم تحسين تدبير الموارد، وإعادة ترتيب الأولويات، والدفاع عن الحاجيات الاجتماعية والتنموية للساكنة.
ويرتبط الموقف النهائي من التصويت، وفق الأجوبة المقدمة، بمدى وضوح التبريرات المرتبطة بالنفقات المثارة، ومدى تجاوب الأغلبية مع الملاحظات والمقترحات، وقدرتها على معالجة الاختلالات التي قد تكشفها دراسة المشروع.
وتضع هذه المواقف مشروع ميزانية أكادير لسنة 2027 أمام اختبار يتجاوز التوازنات المالية إلى مدى قدرة التدبير الجماعي على تحقيق نتائج ملموسة، وتعزيز الشفافية، وتقليص الفوارق بين الأحياء.
وبين ارتفاع الاعتمادات المالية واستمرار المطالب بتحسين الخدمات، يبقى الرهان الأساسي، وفق المقاربة التي عرضتها سناء فوزي، هو تحويل الميزانية من وثيقة لتوزيع النفقات إلى أداة فعلية لتحقيق التنمية والعدالة المجالية وربط المسؤولية بالمحاسبة.




