
لم يكن اسم محمود عرشان، مؤسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، غائبا عن النقاش الحقوقي الذي رافق فتح ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، خلال مرحلة المصالحة وجبر الضرر.
فقد ورد اسمه في شهادات أدلى بها معتقلون سياسيون سابقون، تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب داخل معتقل درب مولاي الشريف، خلال الفترة التي كان يشغل فيها منصب عميد للشرطة.
اختار عرشان الرد من داخل مجلس المستشارين
كما أثارت مسؤولياته المفترضة في هذه الانتهاكات انتقادات متكررة من جمعيات حقوقية وفعاليات مهتمة بملف الذاكرة والعدالة الانتقالية، وهو ما جعل استقباله من طرف رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال مشاورات تشكيل الحكومة، يعيد القضية إلى واجهة النقاش العمومي.
وفي خضم الجدل الذي أثاره هذا الاستقبال، اختار عرشان الرد من داخل مجلس المستشارين، مستغلا جلسة مناقشة البرنامج الحكومي للدفاع عن مساره الشخصي والسياسي، والتعبير عن رفضه لما اعتبره استهدافا له ولحزبه، في وقت لا تزال فيه مطالب الكشف عن الحقيقة وإنصاف ضحايا سنوات الرصاص تثير نقاشا حقوقيا وسياسيا.
عرشان يدافع عن مساره
وخلال مداخلته باسم المجموعة البرلمانية لحزبه، شدد عرشان على أنه وصل إلى مجلس المستشارين عن طريق الانتخاب، وليس بالتعيين، مستحضرا انتماءه إلى جيش التحرير، وحصوله على ميدالية من مجلس الشيوخ الفرنسي، قال إنها جاءت تقديرا لمساهمته في تحسين العلاقات المغربية الفرنسية.
كما استحضر مواقف والده إبان فترة الاستعمار الفرنسي، مشيرا إلى أنه رفض عرضا بتولي قيادة قبيلته، معتبرا أن ما يتعرض له حاليا من انتقادات وهجمات يتجاوز الحدود المقبولة.
«كفى من الخرافات والقيل والقال»
وبنبرة تصعيدية، رفض عرشان ما يروج بشأن ماضيه، داعيا إلى الكف عما وصفه بالخرافات والإشاعات، ومؤكدا استعداد المغرب لتكثيف البحث عن المسؤولين الحقيقيين عن الانتهاكات. وأعلن استعداده للدفاع عن نفسه ومواجهة منتقديه عبر شاشات التلفزيون.
كما وصف الأصوات التي تثير هذا الملف بـ«الطابور الخامس»، منتقدا ما اعتبره نبشا في قضايا غير لائقة، ومشددا على ضرورة حماية الذاكرة الوطنية من التلوث، وفق تعبيره.
ولم يقتصر دفاعه على ملف الاتهامات الحقوقية، بل امتد إلى طريقة تناول وسائل الإعلام العمومية للقائه برئيسة الحكومة المعينة، إذ اشتكى مما اعتبره إجحافا في التغطية، بسبب تركيزها على المنصوري وأعضاء حزبها، دون إبراز ممثلي حزبه خلال اللقاء.
المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف يرفض الاستقبال
في المقابل، كان المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف قد عبر عن رفضه استقبال المنصوري لعرشان في إطار المشاورات الحزبية، معتبرا أن الخطوة تمس بذاكرة ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وبمشاعر أسرهم.
وأشار المنتدى إلى أن اسم عرشان ارتبط، وفق ما أورده في موقفه، بالاعتقالات التعسفية والاختفاءات القسرية والتعذيب الذي طال آلاف الضحايا، معتبرا أن استقباله يطرح تساؤلات بشأن احترام المكتسبات التي راكمها المغرب في مجال العدالة الانتقالية.
وحذر التنظيم الحقوقي من أن يتحول هذا الاستقبال إلى إشارة سياسية قد تُفهم باعتبارها تكريسا للإفلات من العقاب، مجددا مطالبته بتسوية شاملة وعادلة لملف الانتهاكات التي شهدتها البلاد في الماضي.
المصالحة لا تعني إغلاق باب المساءلة
وشدد المنتدى على أن معالجة ماضي الانتهاكات لا يمكن أن تعني التطبيع مع الأفعال المنسوبة إلى المسؤولين عن الأجهزة الأمنية، أو تجاوز مطالب الضحايا وذويهم، بل تقتضي مواصلة البحث عن الحقيقة وترتيب ما يلزم من إجراءات للمساءلة، بما يتوافق مع مبادئ العدالة الانتقالية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
وبذلك، أعاد الجدل حول استقبال عرشان طرح سؤال العلاقة بين المشاورات السياسية والذاكرة الحقوقية، وحدود المصالحة حين يتعلق الأمر بأسماء وردت في شهادات ضحايا الانتهاكات.
وبين دفاع عرشان عن نفسه ورفض الهيئات الحقوقية لما تعتبره مساسا بذاكرة الضحايا، يظل جوهر النقاش مرتبطا بكيفية صون الحقيقة وحقوق المتضررين، وضمان ألا تتحول المصالحة إلى بديل عن المساءلة.





