اقتصاد

تقرير: المغرب جدل حول مضاعفات تحرير أسعار الوقود

تمكّنت الحكومة المغربية من ادخار مبلغ 35 بليون درهم سنوياً (نحو 3.8 بليون دولار)، نتيجة تحرير المحروقات السائلة، من خلال عكس تقلبات أسعار سوق النفط على المستهلكين وأصحاب السيارات.

وأورد تقرير أعدته لجنة المال في مجلس النواب، حول «أسعار المحروقات وشروط المنافسة»، بعد رفع الدعم عنها منذ مطلع عام 2016، أن «حذف نفقات صندوق المقاصة لدعم أسعار المحروقات السائلة، ساهم في معالجة الخلل المالي في الموازنة، إذ بعدما كان العجز يزيد على 7 في المئة مطلع هذا العقد، تراجع إلى نحو 3.5 في المئة العام الماضي، بعد هبوط دعم الأسعار الاستهلاكية من 56 بليون درهم عام 2012 إلى نحو 14 بليوناً فقط».

وأشارت اللجنة إلى أن الأسر ومستعملي وسائل النقل «تحمّلوا تبعات تحرير أسعار البنزين، الذي يُستورد مكرراً من السعودية وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا والإمارات وهولندا والهند والولايات المتحدة وكندا وروسيا، عقب توقف الإنتاج – التكرير في شركة «سامير» المفلسة في المحمدية.

وكان المغرب تضرر من ارتفاع أسعار النفط، عندما قفز إلى 140 دولاراً عام 2008، قبل أن يستعيد توازنه في ما بعد. وقُدّر استهلاك المغرب من المواد البترولية السائلة بنحو 92 مليون برميل أي 12 مليون طن عام 2016، نحو 250 ألف برميل يومياً، من استهلاك عالمي إجمالي بلغ 97.4 مليون برميل يومياً.

ولفت التقرير إلى أن الدول المستوردة للطاقة «واجهت تفاقماً في عجز موازناتها وضغوطاً كبيرة لتطبيق إجراءات تقشفية، وإطلاق إصلاحات اقتصادية لضمان استفادتها من التمويل الخارجي (صندوق النقد الدولي)، ما حدا بها إلى اتخاذ قرارات لمراجعة دعم بعض المواد النفطية، خصوصاً أن كلفة الدعم وصلت إلى ما بين 4 و12 في المئة من الناتج الإجمالي، للحفاظ على مستوى الأسعار بأقل من مثيلتها في السوق الدولية». ومن بين الدول التي طبقت إجراءات رفع أو حذف مخصصات دعم المحروقات، نجد المغرب وتشيلي وتركيا والأردن وإندونيسيا وغانا والبرازيل، (انضمت إليها لائحة أخرى من الدول العربية في ما بعد).

ونفى التقرير أن تكون أسعار النفط في المغرب «بين الأغلى في العالم». لكن أشار إلى أن تركيبتها تشمل كلفة التكرير والشحن والتأمين والميناء والتخزين. تُضاف إليها الضرائب والرسوم وتكاليف التوزيع والنقل والتقسيط، ما يجعل سعر برميل المازوت يصل اليوم إلى 10 دراهم، بعدما كان أقل من 8 دراهم تاريخ رفع الدعم عن المحروقات قبل ثلاث سنوات. وأصبح السعر يخضع لتقلبات السوق الدولية المتجهة إلى الارتفاع، بسبب الأوضاع غير المستقرة في الشرق الوسط، إذ يقترب النفط من 80 دولاراً وهو ضعف السعر الذي كان معتمداً عليه تاريخ إعلان التحرير.

وتوقع صندوق النقد الدولي، أن يتأثر المغرب سلباً من ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية، ومن أي عدم استقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». لكن اعتبر أن «الإبقاء على نمو من 4 في المئة أمر متاح، بفضل موسم جيد من الإنتاج الزراعي وتحسن في العائدات السياحية».

وأطلق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي «حملات مقاطعة» بعض السلع والخدمات كنوع من الرفض للطريقة التي رُفع فيها الدعم عن صندوق المقاصة (2015)، وما تبعها من غلاء. وساءت العلاقة كثيراً في الأيام الأخيرة بين «المقاطعين» والحكومة، عندما انبرى بعض الوزراء من «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي إلى الدفاع عن الشركات الأجنبية، وتهديد المقاطعين بعقوبات نشر أخبار زائفة، تضر بالاقتصاد الوطني وسمعة البلد. وتحول هذا الموضوع إلى خلاف بين مؤيد ومعارض ومتهجم على الحركات الإسلامية، التي حملوها سوء التدبير الحكومي.

ويعتقد كثر من المستهلكين، أن أسعار المحروقات في المغرب مبالغ فيها، وتستفيد منها الشركات الموزعة المتفقة مسبقاً على الأسعار، التي تُضاف إليها الضرائب المقدرة بثلث سعر البيع، وتعرف باسم «الضريبة الداخلية على الاستهلاك»، وهي الممول الأساس لصندوق المقاصة، الذي كان يضمن نوعاً من التوازن في الأسعار، ويحمي الطبقات الوسطى والناشئة.

وظلت الحكومة (الإسلامية) السابقة على مدى سنوات تتجنب الحديث عن هذا النوع من الضرائب المباشرة، التي تشمل أيضاً بعض المشروبات والسجائر. وتقدر قيمتها بنحو 24 بليون درهم، وهي مجموع مخصصات صندوق المقاصة الذي أصبح فائضاً بقيمة 10 بلايين دولار بعد تحرير أسعار المحروقات، يرغب بعض الوزراء الإسلاميين في تحويل جزء منها إلى الطبقات الفقيرة جداً، ما اعتبُر رشوة سياسية وانتخابية.

ولا يعرف كثر من الناس أنهم يدفعون 40 في المئة من سعر النفط، لمخصصات صندوق المقاصة. وهو السر الذي احتفظت به الحكومة السابقة مدة 5 سنوات.

وقدّر التقرير الضرائب على المحروقات في المغرب بـ 43 في المئة على البنزين، وهي تصل إلى 60 في المئة في ألمانيا و63 في المئة في فرنسا، و66 في المئة في ايطاليا، و69 في المئة في بريطانيا، و70 في المئة في الدول الاسكندينافية.

ويرفض أصحاب السيارات هذه المقارنة، لأنها لا تعكس الواقع المعيشي والدخل الفردي وحالة الطرق بين المغرب وتلك الدول. وتم تحميل شركات التوزيع وعددها 20، النفخ في الأسعار وجني مزيد من الإرباح. وكشفت المعطيات أن تلك الشركات حققت إيرادات إضافية بقيمة 15 بليون درهم بين عامي 2015 – 2017، وزادت أرباحها من 38 إلى 892 في المئة. وهي تنقسم إلى نوعين، شركات دولية ومنها «شال فيفو انيرجي» البريطانية التابعة لـ «برتيش بتروليوم» و «توتال» الفرنسية و «ليبيا اويل». ويبلغ عدد الشركات المغربية 17، في مقدمها الشركة المغربية لتزويد الوقود (أفريقيا)، تليها «بتروم» و «زيز» و «وينكسو» و «بترومين اويل» و «سوماب» وغيرها.

وتحوز 4 شركات على 70 في المئة من سوق توزيع المحروقات في المغرب. ومنذ توقف التكرير في محطة «سامير» باتت 11 شركة تستورد النفط المكرر من الخارج، ثلثه من السعودية ونصفه من إسبانيا وهولندا.

وأوضح تقرير اللجنة البرلمانية أن الحكومة «لم تعد لديها أي صلاحية في تحديد هوامش الربح بالنسبة إلى نشاطات الاستيراد والتوزيع والبيع في محطات الوقود، إذ أصبحت من اختصاص «مجلس المنافسة». ويُعتبر تحرير القطاع وتوازن العرض والطلب، كفيلين بتحديد أسعار البيع، أي ليبرالية الأسعار وإخضاعها للسوق النفطية العالمية.

وأكد التقرير أن المستفيد الأول من التحرير هو «سياسة الدولة التي تمكنت من توفير ما يزيد على 35 بليون درهم سنوياً، والتي أُعيدت برمجتها لخدمة القطاعات الاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر حاجة».

وانقسم البرلمانيون بين مؤيد ومعارض لخلاصات تقرير لجنة المالية حول المحروقات، وفق الموقف. لكن الشارع المغربي اعتبر أنها قراءة مبسطة لقطاع استراتيجي يرتبط بمعدلات التضخم، وبقية الأسعار والسلع، وأن التقرير لم يجب عن السؤال المركزي: أين ذهبت أموال صندوق المقاصة، وماذا ستفعل الحكومة لاحقاً عندما سيقترب النفط أو يزيد على 100 دولار، في ظل أزمات متلاحقة في مناطق إنتاج النفط.

وعاب التقرير على الحكومة السابقة والحالية، إحداث «نظام لتتبع حركة أسعار النفط الدولية وأثرها على الأسعار الداخلية والمواد الغذائية». ودعا إلى الإسراع في تفعيل «مجلس النافسة» لضبط إيقاع سوق المحروقات وشفافية المعاملات وجودة الخدمات لحماية المستهلك والاقتصاد معاً.
المصدر: الحياة اللندنية

شارك المقال

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى