لعريني الباحث في علم الاجتماع يكتب: مونولوج بين هي وهو حول سؤال: ماذا بعد جائحة كورونا؟(الجزء3)

0
هو: الكل ينتظر انفراج الأزمة ويتساءل كيف سيكون العالم الجديد بعد جائحة كورونا؟
هي: كل شيء في تغير مستمر، ولا يمكن للمرء أن يسبح في نفس مياه النهر مرتين، هذا ما قاله فيلسوف السيرورة هيراقليطس.
هو: إن الذي يتغير هو التجليات والأشكال أي الأعراض، أما الجواهر تبقى نفسها، الكون لا يدور على الإطلاق، وإنما هو ساكن سكونا مطلقا كما يرى فيلسوف السكون بارميندس.
هي: قياس التغير ليس بالأمر الهين، وملاحظته تتطلب مدد زمنية أطول، لكن مع حدث كورونا الكل لاحظ أن العالم يتغير أمام أعيننا!
هو: سيختفي الوباء كما اختفت الأوبئة التي سبقته، وستعود حليمة إلى عادتها القديمة!
هي: إننا اليوم أمام حدث استثنائي يبشر بقدوم عالم جديد! هل هو أفضل ما سابقه أم أسوء؟ لا أدري!! أكيد أن الوباء سيختفي وربما قبل نهاية العام الجاري. لكن العالم لن يكون كما كان ويمكنني أن أؤكد لك أن نظام علاقات السلطة بين الدول، وبين الدولة وأفرادها، وبين الأفراد أنفسهم سيتغير، كما ستتغير الأدوار السياسية للعديد من البلدان. أكيد أن حجم التفاوتات بشتى أصنافها سيزداد ومنسوب الهشاشة سيتضاعف، عدد كبير من الناس عبر العالم سيفقدون عملهم، نسبة البطالة سترتفع…إلخ فقط انظر إلى ما يحدث حولك، فالأحداث تتطور بسرعة والعالم يتغير بوثيرة يصعب على العقل مجاراتها وتحليل محدداتها والتنبؤ بمآلاتها.

هو: سبق للنظام الرأسمالي أن مر من أزمات بنيوية خانقة (الحربين العالميين الأولى والثانية، الأزمات المالية المتكررة، الحرب الباردة…) واستطاع بنجاح الخروج منها سالما غانما، وحتى في حالة ما تضرر سرعان ما يستعيد عافيته بحكم دهائه في التكيف مع المستجدات! قوة الرأسمالية تكمن في قدرتها على تجديد نفسها واستيعاب واستدماج نقائضها!!

هي: إن الرأسمالية تحفر قبرها بذاتها! إلى متى يمكنها تحمل المزيد من الأزمات الخانقة؟ سترى بأم عيناك أنه بسبب الكساد الاقتصادي غير المسبوق (منذ أزمة الانهيار الكبير لسنة 1929) الذي يمر به الاقتصاد العالمي اليوم، ستتغير موازين القوى السياسية والاقتصادية وربما حتى الحدود بين الدول، و هيكل العلاقات الدولية ذاته سيتغير.
هو: يبدو أنك تحدثين عن مستقبل العالم كما تتخيله أفلام الخيال العلمي؟
هي: ليس بالضرورة! رغم أن ثنائية الخيال والواقع غدت اليوم كلاسيكية ولن تعد تجدي نفعا في فهم وتحليل مجريات الواقعي المفرط في الخيال واللامنطق والعبثية… أليس العالم الافتراضي، الذي يشهد اليوم نزوحا بشريا جماعيا نحوه، مظهر من مظاهر هذا الخيال؟ صدقني أن العالم الذي سيأتي بعد كورنا سيقلص من مفعولات الواقع الفيزيقي وسيضخم من سلطة الافتراضي ومكانته وأهميته. سيغزو الافتراضي كل حياتنا وسيتخلل كل أنشطتنا وسنعتمد عليه في قضاء حوائجنا وفي الاستفادة من الخدمات التي تقدمها الدولة في شتى المجالات (التعليم، الصحة، القضاء، العمل، التسوق…) تذكر جيدا أن المرحلة القادمة من تاريخ العالم ستكون حبلى بالتغيرات وستعيش فيها سوابق تاريخية شبيهة بالندوات العلمية الإلكترونية وبالتعليم عن بعد وبالتبضع الالكتروني…إلخ
هو: أراك تبالغين بعض الشيء تتحدثين وكأنك تقرئين للعالم كف يده، كما لو كنت عرافة أو نبيا يعض الناس بعالم آخر أبدي كل الأتقياء فيه سعداء، أو كما لو كنت خطيبا سياسيا بارعا في فن الكذب وبيع الوهم للناس وهو يعد الكدح بعالم خالي من كل ملامح الفقر والبؤس والظلم!
هي: أنا أحدثك انطلاقا مما يجري في الواقع. دول وفئات عديدة تأثرت كثيرا بهذه الجائحة، والأكيد أنها ستبيع كل ما تملك، بما في ذلك أثاثها المنزلي هذا إذا كان لها أثاث أصلا! الكل اليوم بدأ يدرك ذلك، والخوف والقلق يسكن العالم حيال العواقب القريبة والبعيدة المدى لهذه الجائحة.

شخصيا بدأت أشعر أن الأرض شرعت في الانزلاق من تحت أرجلنا، لأننا أمام طاعون القرن الواحد والعشرين، ومن المؤكد أن الطواعين تدمر الأرواح ، وتفسد الأسواق، وتبرهن على كفاءة الحكومات أو فشلها، وبسببها ينهار الاقتصاد وتتهاوى الأنظمة السياسية أو في أحسن الأحوال تتغير؛ بحيث سيعزز هذا الوباء سلطة الدولة ويقوي من مشروعيتها ومن الإيمان بدورها في حماية الأمن العمومي، وسيبعث الروح من جديد في النزعة القومية وفي مشاعر الانتماء، و سيحول السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق مدشنا مرحلة جديدة في تاريخ العالم.

هو: صحيح أن الناس سيصبحون أكثر تبعيةً واعتمادً على الدولة وخضوعا لها، وقد تحدث بعض التغيرات المورفولوجية في بنية العالم هنا وهناك، لكن ذلك لن يغير في ماهية وطبيعة السياسة العالمية القائمة على الصراع والهيمنة والتبعية. لأن الأوبئة السابقة لم تضع حدا للتنافس بين القوى العظمى ولم تحقق العهد الجديد للتعاون والسلام الدوليين اللذين وعدت بهما!
هي: أنا على يقين بأن العولمة فقدت مصداقيتها وأن الدول ستبحث لنفسها عن كيانات واتحادات محلية وإقليمية جديدة، وغالب الظن أن الدول القوية تكنولوجيا، مثل الصين وكوريا الجنوبية، هي من ستقود المرحلة الجديدة من تاريخ العالم.
هو: لن يكون هذا الوباء القشة التي ستكسر ظهر جمل العولمة الاقتصادية. صحيح أن العولمة الأمريكية قد تنتهي، لأنها فقدت مشروعيتها، وستحل محلها عولمة جديدة صينية ربما أكثرها فاشية وقبحا! لكن من المعلوم أن التاريخ مفتوح دائما، وهذا ما يجعله خارج السيطرة ومنفلت من التنبؤ بمساراته.
لا أحد يعرف إلى أين ستقودنا هذه الأزمة الطارئة أو متى ستستقر أحوالنا! لم تكن الأوبئة الكبرى من العصور القديمة والوسطى في حاجة إلى العولمة من أجل قتل عشرات الملايين من القتلى، مع العلم أنها لو حدثت تلك الأوبئة في مثل شروط عصرنا لانقرض النوع البشري.
ألا تتذكرين أنه بعد انهيار النظام السوفييتي وسقوط جدار برلين، تنبأ فرانسيس فوكوياما بنهاية التاريخ، وبشر مينك ألان بحلول عصر “عولمة سعيدة” على كوكبنا، وأعلن نهاية عصر الحروب والمجاعات والفقر وبداية عصر الرفاهية والتعاون الدولي والحرية….لكن ما عايناه بعد التسعينات يكذب كل هذه الهرطقات التاريخانية واللاتاريخية، وأعتقد أنك لست في حاجة لأذكرك بحجم البؤس الذي جلبه هذا النظام العالمي الجديد، وعدد الحروب الظالمة التي تسبب فيها، ونزيف الهجرة المتدفق من الجنوب نحو الشمال، واللائحة طويلة جدا من مآسي العولمة الغربية لا يتسع المقام هنا لسردها.
إن شعار “دعه يمر، دعه يعمل” هو الذي فاز في الأخير. لقد حولت الديمقراطية الليبرالية الأرض إلى سوق تجاري ضخم، بإلغاء جميع الحواجز أمام التبادل الحر، وفتح الحدود ، وتدمير سيادة الدول الضعيفة على اقتصاداتها. الإشكال الأساس يوجد في هذه العولمة ذاتها، لقد ترك خاصة الناس وعامتهم نواة كل الأزمات وعلتها وراحوا يبحثون عن تفسيرات لهذه الأزمات في التمظهرات بعيدا عن نظام العولمة الموغل في التناقضات والهشاشة!

هي: اتفق معك! جل الأزمات نجمت في أعقاب التسابق الرأسمالي الشرس، والاستغلال المفرط للموارد والاذلال المقيت للشعوب المغلوبة على أمرها التي راحت اليوم تتفرج على مسرح الجرائم والأزمات مجردة من كل قدرة على الفعل والمقاومة من أجل التحكم في حاضرها ومستقبلها.

لقد خدعوها بإيديولوحية التعاون الدولي والحكامة أو “الحكم الرشيد” الذي تقبلته وباتت تعمل به على مضض وتدرسه كما لو كان خلاصها الأكيد والعصى السحرية التي ستحل معضلة التخلف والفساد المستشري في شرايين أنظمتها. لقد ادى التوسع في عمليات الخصخصة ونظام العمل بالعقود، إلى تراجع جودة الحياة، وانخفاض الدخل ، وزيادة البطالة، وانكمشت الطبقة المتوسطة في حين توسعت الطبقات الدنيا وأصبحت أكثر هشاشة، وتم التضحية بالخدمات العامة على مذبح المبادئ العظيمة للعقيدة المالية الليبرالية.

هو: تماما، بالأمس القريب بشرتنا العولمة بأن كوكبنا سيتحول إلى قرية صغيرة، وبأن الجميع سيعيش في مجتمع بلا حدود ؛ لكننا اليوم تحولنا إلى سجناء من نوع خاص في منازلنا وفي “المعسكرات الإلكترونية” لقرية العولمة الموعودة والخوف يسكننا من الاختلاط مع أقرب الناس إلينا، ومن مستقبل مجهول موسوم باللايقين، لا ندري ماذا ينتظرنا بالضبط وإلى أين سينتهي بنا؟

هي: ينتظرنا التقهقر طبعا! لآن هناك أزمة اقتصادية وسيكون لها بدون شك عواقب اجتماعية؛ الآلاف من الشركات ستفلس وبالتالي الملايين من فرص العمل ستفقد، والأجور ستتقلص، الناتج المحلي الإجمالي سينخفض، مديونية الدول سترتفع، اسعار النفط ستتراجع، سوق الأسهم سينهار، نشاط الأبناك سيتقلص ويتكبد المزيد من الخسائر المالية الفادحة…إلخ. وقد تؤدي هذه الأزمة الاجتماعية-الاقتصادية إلى أزمة مالية جديدة أكبر من أزمة سنة 2008.
كل هذا وغيره سيضر بالنسيج الاجتماعي وسيجعله أكثر هشاشة مما كان عليه، مما سيؤدي حتما إلى تزايد العديد من الظواهر الباثولوجية في المجتمع من قبيل جرائم السرقة والقتل والفقر الهجرة الانتحار البطالة…إلخ. مجمل القول يا حبيبي أن عالم ما بعد كورونا لن يكون كعالم ما قبلها!
هو: كل هذا سيقع وربما أكثر منه، لكن كل ذلك لن يغير شيء في جوهر النظام العالمي الرأسمالي، لأن منطقه هو القوة والهيمنة الذي يعيد انتاجها دائما وبصيغ وأشكال عدة. حكمته في ذلك قولة فيلسوف إرادة القوة نيتشه، “الأفعى التي لا تغير جلدها تموت”.

Leave A Reply