الرئسيةسياسة

دعم بالملايير وغلاء يفرغ جيوب “الكَسّابة”

كيف أصبحت المضاربة أكبر برنامج حكومي لإنقاذ القطيع؟

بالرغم من  الملايير التي رصدتها الدولة المغربية لدعم قطاع الكسابة ومواجهة آثار الجفاف وغلاء الأعلاف، لا يزال المواطن يؤدي الفاتورة كاملة في أسعار اللحوم والحليب، وسط واقع يقول إن الدعم العمومي لم يصل إلى من يفترض أن يستفيد منه، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى ريع يتغذى على الوساطة والمضاربة.

حيث على الورق، أعلنت الحكومة عن برامج دعم غير مسبوقة لمربي الماشية، شملت إعفاءات جمركية على استيراد الأعلاف، ودعم مباشر لاقتناء الشعير والكسابة المتضررين من سنوات الجفاف المتتالية. غير أن الواقع في الأسواق كشف مفارقة صارخة الدعم يرتفع… والأسعار ترتفع معه.

وتُظهر المعطيات الرسمية نفسها حجم الفجوة بين الدعم المعلن وأثره الواقعي على الأرض. فقد أعلن وزير الفلاحة، أحمد البواري، أن مصالح وزارته توصلت، إلى حدود 10 نونبر، بأزيد من 715 ألف طلب للاستفادة من برنامج الدعم الموجه للكسابة، تمت الموافقة على 352 ألف ملف منها، وصُرفت في إطارها تحويلات مالية تجاوزت 1,45 مليار درهم لفائدة المستفيدين، الذين تم إشعارهم عبر رسائل نصية بقيمة الدعم حسب عدد رؤوس الماشية التي يتوفرون عليها.

وبحسب المصدر ذاته، فإن مبالغ الدعم تتراوح ما بين 75 و150 درهمًا عن كل رأس من الغنم، وما بين 50 و100 درهم عن كل رأس من الماعز، بينما تتراوح بين 150 و400 درهم بالنسبة للأبقار والإبل، مع إعطاء الأولوية لصغار المربين الذين يشكلون نحو 80% من مجموع الكسابين، علمًا أن الغالبية الساحقة منهم يمتلكون أقل من 30 رأسًا فقط.

وعند 13 نونبر، كانت الحكومة قد صرفت أزيد من مليار درهم من المساعدات المباشرة لفائدة أزيد من 580 ألف كساب، أي ما يمثل 48% من مجموع المستفيدين المستهدفين ضمن البرنامج الاستعجالي للحفاظ على القطيع الوطني، وفق ما أكده الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، الذي أوضح أن عمليات الصرف ما تزال متواصلة، وتشمل خصوصًا دعم اقتناء الأعلاف والشطر الأول من برنامج الحفاظ على الإناث المخصصة للتكاثر.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن هذا الإجراء يتم في إطار تنفيذ توجيهات ملكية سامية، وبميزانية إجمالية قدرها 12,8 مليار درهم، موزعة على شطرين، الأول بقيمة 6 ملايير درهم مخصص لتغذية القطيع، والحفاظ على الإناث الموجهة للتكاثر، وتخفيف عبء الديون عن الكسابة

دعم لا يُترجم إلى أسعار

الأسئلة التي يطرحها المواطن اليوم بسيطة في صياغتها، ثقيلة في مضمونها: إذا كانت الدولة تدعم القطيع، فلماذا لا تنخفض أسعار اللحوم؟ وإذا كانت تكاليف الإنتاج مدعومة، فلماذا تواصل “الشناقة” التحكم في السوق؟ ومن يستفيد فعلاً من هذا الدعم؟

المتتبعون للشأن الفلاحي يؤكدون أن جزءًا كبيرًا من الدعم لم يصل إلى صغار الكسابة، بل مر عبر قنوات غير شفافة، حيث استفاد منه كبار المربين والمضاربون، فيما تم تهميش الفلاح الصغير، الذي وجد نفسه محاصرًا بين كلفة الإنتاج واحتكار الوسطاء.

الشناقة… الحلقة الأقوى

في كل موسم، يتجدد نفس السيناريو: وفرة في القطيع تقابلها أسعار ملتهبة، دعم حكومي يقابله احتكار، وتصريحات رسمية تقابلها جيوب المواطنين الفارغة. هكذا تحولت المضاربة إلى “أقوى برنامج غير معلن لإنقاذ القطيع”، ليس القطيع الحيواني، بل قطيع الوسطاء والسماسرة.

هؤلاء يتحكمون في مسار القطيع من الضيعة إلى المجزرة، ومن السوق الأسبوعي إلى محلات الجزارة، في غياب رقابة فعلية وآليات ردع صارمة. والنتيجة: دعم يموّل من المال العام، وربح يذهب إلى جيوب خاصة.

دولة تدعم… وسوق يعاند

مع بداية شهر نونبر شرعت وزارة الفلاحة في صرف المساعدات المباشرة للكسابة في إطار برنامج المحافظة على القطيع الوطني، غير أن جشع التجار طفى الى السطح ليفسد أهداف المبادرة، حيث ضاعفوا سعر أعلاف المواشي .

المشكل، بحسب مهنيين، ليس في الدعم ذاته، بل في طريقة تدبيره، فغياب الشفافية، وغياب التتبع، وضعف الاستهداف، كلها عوامل حولت الدعم من أداة لحماية القدرة الشرائية إلى آلية لإعادة إنتاج الريع.

فبدل أن يُربط الدعم بالتزامات واضحة، كخفض الأسعار أو توجيهه لصغار المنتجين، ترك المجال مفتوحًا للتلاعب، دون محاسبة أو تقييم حقيقي للأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه البرامج.

إلى أين؟

اليوم، لم يعد المطلوب ضخ أموال جديدة، بل إعادة النظر جذريًا في فلسفة الدعم الفلاحي، من خلال توجيهه مباشرة للكسابة الصغار، ومراقبة صارمة لمسار توزيع الأعلاف، وضبط السوق بقوانين زجرية في حق المضاربين، مع ربط الدعم بالتزام الأسعار وليس بالشعارات.

ففي بلد يعاني من هشاشة اجتماعية متزايدة، لا يمكن أن يتحول الدعم إلى “مغازلة سياسية” على حساب بطون المواطنين.

القطيع يجب أن يُنقذ فعليا، لا في العناوين، والمواطن أولى بالدعم من الشناقة.

وجدير بالذكر أن الكسابة الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، أطلقوا حملة تدعوا لمقاطعة أعلاف الماشية اذا لم يتراجع التجار عن جشعهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى