
هل يستعيد الشارع التونسي دوره في كسر الخوف السياسي؟
شهدت العاصمة التونسية حدثا سياسيا لافتا تمثل في خروج قوى المعارضة في “مسيرة وحدوية” هي الأولى منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد عام 2021، وذلك للاحتجاج على الأحكام القضائية الصادرة بحق شخصيات سياسية بارزة في ما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”.
ويُعد هذا التطور مؤشرا على تحول نوعي في مشهد سياسي يتسم بالأزمة والانقسام والضغوط الحقوقية المتصاعدة.
محاكمات مثيرة للجدل
جاءت هذه التحركات عقب إصدار محكمة الاستئناف بالعاصمة، في 28 نوفمبر الماضي، أحكاما بالسجن تتراوح بين 10 و45 عاما ضد معارضين من الصف الأول، بينهم أحمد نجيب الشابي، نور الدين البحيري، رضا بلحاج، عصام الشابي، غازي الشواشي وغيرهم.
وفي وقت أكدت فيه الحكومة أن القضايا ذات طبيعة جنائية وأن القضاء مستقل، وصفت المعارضة هذه الأحكام بأنها سياسية وتستهدف تصفية الخصوم.
معارضة في طور التشكل
يرى رياض الشعيبي، عضو جبهة الخلاص، أن “القمع” أصبح العامل الرئيسي وراء التحرك المشترك في الشارع، مشيرا إلى أن مظاهرة 6 ديسمبر شكلت محطة مفصلية قد تفتح الباب لتنسيق سياسي أوسع بهدف “الخروج من الأزمة وإدارة المرحلة المقبلة”.
ودعا الشعيبي إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفتح حوار يعيد تونس إلى المسار الديمقراطي.
من جانبه، اعتبر سام الصغير، المتحدث باسم الحزب الجمهوري، أن مظاهرة 6 ديسمبر تمثل نقطة انعطاف بعد سنوات من التشتت، بعدما أدركت مختلف القوى أن الاستهداف لم يعد مقتصرا على حزب بعينه، وأن الدفاع عن الحقوق والحريات “لا يمكن أن يكون إلا جماعياً”.
وأشار إلى أن تراكم الخلافات والجراح السياسية كان يعوق اللقاء، لكن “اتساع دائرة القمع” غير الأولويات لصالح حماية الدولة والمجتمع.

تقارب حذر
الأكاديمي سفيان العلوي وصف المسيرة بأنها كسرت حاجزين أساسيين:
حاجز الخوف والعودة إلى الشارع رغم تراجع الهياكل الحزبية.
رفع الفيتو عن مشاركة حركة النهضة وبقية التيارات المحافظة.
مع ذلك، يرى العلوي أن هذا التقارب ما يزال هشا، وأن غياب الثقة وتضارب السرديات قد يعيدان المشهد إلى المربع الأول، مشيراً إلى أن “الإحراج الحقوقي” هو المحرك الأساسي للحراك، أكثر من كونه سعيا مباشرا لاستعادة الديمقراطية.
في المقابل، قلل محمود بن مبروك، أمين عام حزب المسار الموالي للرئيس سعيد، من أهمية هذا التقارب، معتبرا أن “الشعب تجاوز هذه المعارضة”، وأن مظاهرة 17 ديسمبر الداعمة لسعيد دليل على ذلك.
كما تحدث عن إمكانية تبلور معارضة جديدة من داخل مسار 25 يوليوز 2021 نفسه، تكون قادرة على “تقديم حلول دون معاداة المسار”، ووصف وحدة المعارضة بأنها “هشة ومن أطراف فقدت الوزن السياسي”، متهماً جهات خارجية بدعمها.
خلاصة المشهد
تمر تونس بمرحلة شديدة الحساسية، حيث تخطو المعارضة خطوات غير مسبوقة نحو التوحد بعد سنوات من الانقسام، مدفوعة بالمحاكمات والضغوط الحقوقية، فيما ترى السلطة أن المعارضة فقدت شرعيتها وأن قواعد سياسية جديدة تتشكل ضمن توجه الرئيس سعيد.
وبين هذين المسارين، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالين:
إما توسع التنسيق المعارض نحو مشروع سياسي موحد،
أو تلاشيه تحت وطأة الخلافات القديمة وانعدام الثقة.
ديناميكية جديدة
يرى الباحث والإعلامي التونسي جمال الطاهر أن تونس تشهد ملامح ديناميكية جديدة تتشكل وسط صراع بين سلطة تعمل على فرض الأمر الواقع عبر الحكم بالمراسيم ومؤسسات بلا تأثير، ومعارضة مثقلة بإرث ما قبل 2021 وضغوط ما بعده.
ويؤكد أن بعض مكونات المعارضة التي كانت أقرب للعداوة فيما بينها، تحاول اليوم تجاوز القطيعة وبناء أرضية مشتركة لمواجهة الانقلاب ووقف الاستفراد بالسلطة، في مقابل جهود السلطة وأذرعها الإعلامية والرقمية لإفشال أي تقارب، من خلال إعادة تدوير خطاب التخويف من حركة النهضة وتعميق الانقسامات داخل المعارضة.

التحركات السياسية والاجتماعية
على المستوى السياسي، تمكنت المعارضة الديمقراطية العلمانية من تعبئة جزء مهم من الرأي العام حول مطالب مشتركة، أبرزها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء المرسوم 54، في مؤشر على تغيير في المزاج العام.
وعلى المستوى الاجتماعي، تتواصل الاحتجاجات في قابس للمطالبة بتفكيك وحدات المركب الكيميائي بسبب الأزمة البيئية، فيما تتصاعد تحركات النقابات، وقد أعلنت المركزية النقابية إضرابا عاما يوم 21 يناير الجاري.
ويطرح جمال الطاهر تساؤلاً محوريا:
هل تشكل هذه الديناميكية نواة لجبهة ديمقراطية واسعة قادرة على خلق توازن فعلي في مواجهة الانقلاب؟
أم أن المنظومة القائمة ستتمكن مجددا من تفكيك التقارب وإعادة المعارضة إلى خلافاتها القديمة؟





