
احتضن مقر الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بالرباط، يوم السبت 24 يناير 2026، لقاءً دراسياً خُصِّص لمناقشة مشروع قانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول، في سياق وطني يتسم بتنامي الجدل حول إصلاح المهن القانونية وحدود التوازن بين متطلبات التحديث وضمانات الاستقلالية المهنية.
نقاش تشريعي في لحظة مفصلية
في كلمته الافتتاحية، شدّد الكاتب العام للاتحاد، النعم ميارة، على أن أي إصلاح تشريعي لا ينبغي أن يتم على حساب استقلالية العدول ونجاعة أدائهم، معتبراً أن المساس بجوهر المهنة أو تقويض مكتسباتها التاريخية مرفوض نقابياً ومؤسساتياً. كما أكد أن العمل النقابي حق دستوري، وأن الدفاع عن العدول يندرج ضمن صيانة إرث وطني ضارب في التاريخ، لا سيما في ظل ورش تعزيز الحريات وترسانة القوانين الحامية لها.
من جهته، عبّر الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للعدول، إدريس العلمي، عن رفض النقابة لما اعتبره «تشريعاً على المقاس»، لا يستجيب للمنظومة القانونية ولا لتطلعات المهنة، محذراً من الاستحواذ على خزانة التوثيق، ومطالباً بالتمسك بتسمية «التوثيق العدلي»، والحفاظ على ديباجة القانون، وإقرار التلقي الفردي، وإلغاء خطاب القاضي، والحق في صندوق الإيداع.

مداخلات تكشف اختلالات بنيوية
الجلسة الدراسية عرفت مداخلات قانونية ومهنية وازنة. فقد اعتبر الأستاذ عبد الجليل بودربالة أن المشروع يندرج ضمن مسار تشريعي يضيّق على المهن الحرة ويُغلّب منطق الإدارة على الحقوق المكتسبة دستورياً، متسائلاً عن الضمانات القانونية للمشروع مقارنة بإصلاحات مهن قانونية أخرى.
أما الأستاذ سعيد الصروخ، رئيس المجلس الجهوي لعدول استئنافية طنجة، فنبّه إلى خروقات دستورية ومظاهر تمييز تشريعي، أبرزها الإبقاء على الطابع التقليدي للوثيقة العدلية وربط رسميتها بخطاب القاضي، وإقصاء العدول من صندوق الإيداع، في تناقض مع متطلبات الحكومة الرقمية.
وفي مداخلة لافتة، توقفت الأستاذة نادية الشرقاوي، رئيسة الجمعية المغربية لصوت المرأة العدل، عند حذف ديباجة القانون السابقة، وتحميل العدل كامل المسؤولية المهنية دون حماية كافية، والتراجع عن صندوق الودائع، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بشهادة المرأة واللفيف، وخطاب القاضي، والتراجع عن تنظيم العقد الإلكتروني بدعوى مرجعية دينية، ما يطرح أسئلة حول حدود تدخل الفتوى في التنظيم المهني.
الأقاليم الجنوبية… خصوصية مغيَّبة
وسلّط د. يوسف الحزيمري الضوء على أثر المشروع على الأقاليم الجنوبية، معتبراً أن النص تجاهل الخصوصيات السوسيو-مجالية والعقارية للمنطقة. وأبرز أن اشتراط ممارسة المهنة من المكتب، ومنع العمل التطوعي، وتشديد شروط توثيق العقود، سيؤدي إلى شلل الحركة التوثيقية، ويصطدم بأعراف محلية راسخة، خصوصاً في ما يتعلق بلفيف السماع وإثبات الحقوق في بيئة قبلية مترابطة.
مستجدات تقنية… وأسئلة معلّقة
بدوره، تناول الأستاذ أنوار الجاحظ مستجدات التوثيق في ضوء المشروع، محذراً من كثرة الإحالات على نصوص أخرى، وتشديد مساطر التوثيق، ودمج مرحلتي التلقي والتحرير بما يحدّ من مرونة التصحيح، فضلاً عن الغموض المحيط بسلطة القاضي المكلف بالتوثيق والطعن في قراراته.
توصيات: نحو عدالة تشريعية حقيقية
وخلص اللقاء إلى جملة توصيات، أبرزها التمسك بتسمية «قانون مهنة التوثيق العدلي»، والحفاظ على ديباجة القانون الحالي، وإقرار التلقي الفردي، واعتماد آلية الإيداع، وتكريس رسمية العقد من تاريخ التلقي، ومعالجة الاختلالات الدستورية التي تهدد الأمن التعاقدي، وإعادة صياغة المشروع بما يراعي الإنصاف والعدالة، مع الانفتاح على الإعلام لكشف ما اعتُبر اختلالات خطيرة تمس المصلحة الوطنية.
لقاء الرباط أعاد طرح سؤال جوهري هل ينجح مشروع قانون 16.22 في تحقيق عدالة تشريعية متوازنة، أم أنه يفتح الباب أمام تضييق غير مسبوق على مهنة شكلت أحد أعمدة التوثيق بالمغرب؟ سؤال سيظل مطروحاً بقوة في مسار النقاش البرلماني المقبل.





