
لم تمضِ سوى ساعات قليلة على انطلاق كأس العالم 2026 حتى وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات، أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: هل ما زال الفيفا قادراً على التحكم في توازنات أكبر بطولة كروية في العالم بعيداً عن الضغوط السياسية والتناقضات الإعلامية؟
إنفانتينو: النسخة الحالية ما تزال تواجه تحديات لوجستية وإدارية مستمرة
وجاءت شرارة الجدل الأخيرة بعد تصريحات متباينة بين رئيس “فيفا” جياني إنفانتينو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كشفت فجوة واضحة في سردية كل طرف حول نجاح النسخة الحالية.
فبينما نقل ترامب عن إنفانتينو إشادته بكأس العالم 2026 واعتبارها “الأكثر نجاحاً في التاريخ”، خرج رئيس الفيفا لاحقا بتصريحات إعلامية مختلفة، ذهب فيها إلى اعتبار مونديال قطر 2022 النسخة الأكثر تميزا من حيث التنظيم، مع إقراره بأن النسخة الحالية ما تزال تواجه تحديات لوجستية وإدارية مستمرة.
هذا التناقض لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بل تحول إلى مادة سجالية في توقيت شديد الحساسية، خصوصاً مع انطلاق البطولة وسط ملفات تنظيمية وسياسية معقدة، ألقت بظلالها على الصورة المثالية التي يسعى الفيفا لتسويقها.
حادثة أرتان.فجرت موجة تساؤلات حول حدود سلطة الفيفا
ومن أبرز هذه الملفات، قضية الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة رغم حصوله على تأشيرة رسمية وتكليفه من الفيفا بإدارة مباريات في البطولة. حادثة فجّرت موجة تساؤلات حول حدود سلطة الاتحاد الدولي، وقدرته على ضمان مشاركة جميع مكونات المنظومة الكروية دون استثناءات أو عوائق سيادية.
وعند تعليقه على الواقعة، اكتفى إنفانتينو بالتأكيد أن الفيفا لا يملك صلاحية تجاوز قوانين الدول المضيفة، واصفا ما حدث بـ”الأمر المؤسف”، وهو تصريح اعتبره منتقدون تراجعا عن خطاب سابق للفيفا كان يشدد على ضرورة ضمان حرية دخول جميع اللاعبين والمسؤولين والمشجعين إلى بلد الاستضافة.
سحب تنظيم كأس العالم للشباب من إندونيسيا بسبب رفضها استقبال المنتخب الإسرائيلي يعود للواجهة
ومع تصاعد الجدل، عادت إلى السطح ملفات أخرى مرتبطة بالتأشيرات وقيود السفر التي طالت بعض الوفود والجماهير، إضافة إلى توتر سياسي ظل حاضراً في الخلفية، من بينها العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران وتأثيرها غير المباشر على أجواء البطولة. كل ذلك غذّى الانطباع بأن السياسة لم تغادر بعد بوابة المونديال.
كما أعيد فتح ملف قرار الفيفا السابق بسحب تنظيم كأس العالم للشباب من إندونيسيا عام 2023 بسبب رفضها استقبال المنتخب الإسرائيلي، حيث يرى منتقدون أن الاتحاد الدولي يتعامل بانتقائية مع القضايا السياسية، وفق ميزان مصالحه وظروف كل ملف على حدة.
وفي ظل رهان الفيفا على نجاح أول نسخة موسعة بمشاركة 48 منتخبا، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على الجانب التنظيمي داخل الملاعب أو نسب الحضور الجماهيري، بل يمتد إلى سؤال أعمق: هل يستطيع الاتحاد الدولي فعلاً حماية البطولة من تقاطعات السياسة والهجرة والتأشيرات، وتكريس مبدأ المساواة بين جميع المشاركين دون استثناء؟
اقرأ أيضا…





