اقتصادالرئسية

المغرب في صدارة شمال إفريقيا رقميا

سجّل المغرب خلال سنة 2025 قفزة لافتة في تصنيف الاتصال العالمي، بعدما تقدم بـ22 مرتبة دفعة واحدة في مؤشر “Ookla Speed test”، ليستقر في المركز 39 عالمياً في سرعة الإنترنت عبر الهاتف المحمول، هذا التقدم، الذي أعاد المملكة إلى صدارة دول شمال إفريقيا، لا يمكن قراءته كمعطى تقني صرف، بل كمحصلة مباشرة لاختيارات سياسية واستثمارات عمومية وخاصة راهنت على تحديث البنية التحتية الرقمية باعتبارها رافعة سيادية للتنمية.. فالإطلاق الفعلي لتقنية الجيل الخامس وتوسيع شبكة الألياف البصرية شكّلا حجر الزاوية في هذا التحول، وفتحا الباب أمام إعادة رسم موقع المغرب داخل الاقتصاد الرقمي العالمي.

الجيل الخامس… أكثر من سرعة إضافية

لم يكن الانتقال من الجيل الرابع إلى الخامس مجرد ترقية تقنية، بل خياراً استراتيجياً فرضته تحولات عالمية وضغوط اقتصادية.. فحسب معطيات رسمية صادرة عن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، تجاوز عدد مشتركي الهاتف المحمول في المغرب 55 مليون مشترك، بنسبة اختراق تفوق 150%، ما جعل الشبكات التقليدية على حافة الاختناق.

و جاءت تقنية الجيل الخامس لتخفيف هذا الضغط، وتوفير سرعات أعلى واستجابة أسرع، خصوصاً في المدن الكبرى والمناطق الصناعية، وهو ما انعكس مباشرة على جودة الخدمات الرقمية، من البث عالي الدقة إلى التطبيقات المهنية المعتمدة على الزمن الحقيقي، كما يُنظر إلى 5G كأداة لتمكين الصناعات الذكية، وتحسين تنافسية الموانئ، ودعم التحول الرقمي للإدارة، في بلد يطمح إلى لعب أدوار إقليمية تتجاوز حدوده الجغرافية.

الألياف البصرية… العمود الفقري للإنترنت الثابت

لم يقتصر التحسن على الهاتف المحمول، بل شمل أيضاً الإنترنت الثابت، حيث مكّن الانتشار الواسع للألياف البصرية المغرب من التموقع ضمن أفضل الدول إقليمياً من حيث الأداء، وتشير بيانات رسمية إلى أن الاستثمارات في هذا المجال شهدت نمواً مطرداً خلال السنوات الأخيرة، ما ساهم في رفع متوسط السرعات وتقليص الفجوة بين المركز والأطراف، ولو بشكل نسبي، ومع ذلك، يبقى التحدي الاجتماعي قائماً، إذ لا تزال الاستفادة غير متكافئة بين المدن الكبرى والمناطق الهامشية، وهو ما يطرح سؤال العدالة الرقمية في زمن الأرقام القياسية.

بين الطموح الاقتصادي وامتحان الاستدامة

يشكل هذا التقدم ورقة رابحة في جذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في مجالات الأوفشورينغ، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الرقمية..فالدراسات الدولية تربط بين كل زيادة بـ10% في سرعة الإنترنت ونمو الناتج الداخلي الخام بنسبة قد تصل إلى 1.3% في الاقتصادات الصاعدة.. لكن السرعة وحدها لا تصنع اقتصاداً رقمياً متيناً، إذا لم تُواكب بإصلاحات في التعليم، وتكوين الكفاءات، وضمان ولوج واسع ومستدام للخدمة.

جاهزية عالمية… وأسئلة مفتوحة

في المحصلة، يبدو المغرب اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى معايير الاتصال الدولية، وجاهزاً لاحتضان تظاهرات عالمية ببنية تحتية رقمية قوية، غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بسرعة الإنترنت فقط، بل بمدى قدرة هذا التقدم على التحول إلى مكسب اجتماعي شامل، لا إلى رقم جميل في تقرير دولي، يلمع سريعاً قبل أن يبهت تحت ضغط الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى