
في مشهد سياسي لا يخلو من الرسائل المشفرة، برزت إلى السطح ملامح خلاف صامت داخل مكونات الأغلبية الحكومية، وتحديدا بين حزب الأصالة والمعاصرة ورئيس الحكومة عزيز أخنوش، على خلفية قرار سحب مشروع قانون مهنة المحاماة من يد وزير العدل عبد اللطيف وهبي.
بداية الخلاف لم تُعلن بشكل مباشر، لكنها تسربت عبر بلاغ المكتب السياسي لـ”البام”، الذي حمل بين سطوره نبرة عدم ارتياح واضحة تجاه خطوة رئيس الحكومة، خاصة أنها تمت خارج منطق التشاور الذي يؤطر عمل الأغلبية.
بلاغ بعبارات محسوبة ورسائل غير مباشرة
بلاغ حزب الأصالة والمعاصرة بدا حريصا على التوازن، لكنه لم يُخفِ امتعاضه من طريقة تدبير الملف. فقد شدد على “الالتزام الأخلاقي” بمقتضيات ميثاق الأغلبية، والذي يفرض التنسيق والحوار حول القضايا الإصلاحية الكبرى، في إشارة ضمنية إلى أن قرار سحب المشروع لم يحترم هذا المسار.
وفي مقابل ذلك، اختار الحزب الإشادة بدور المؤسسة التشريعية ومحاولة الفرق البرلمانية لعب دور الوساطة بين وزارة العدل وهيئات المحامين، مع تنويه خاص بتجاوب الوزير وهبي مع هذه المبادرة، وهو ما يعكس تموقعا سياسيا داعما لوزير العدل أكثر منه لرئيس الحكومة.
وساطة برلمانية أُجهضت أم قرار سيادي؟
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن المبادرة البرلمانية، التي ساهمت فيها فرق من الأغلبية والمعارضة، كانت قد قطعت أشواطا متقدمة لتقريب وجهات النظر بين المحامين والوزارة، قبل أن يتم سحب المشروع وتشكيل لجنة جديدة تحت إشراف رئيس الحكومة وبمشاركة جمعية هيئات المحامين.
هذه الخطوة، التي قدمت رسميا كآلية لإعادة فتح النقاش، تُقرأ داخل “البام” باعتبارها التفافا على الوساطة البرلمانية وإضعافا لدور المؤسسة التشريعية، بل وتدخلا مباشرا في اختصاصات وزير العدل.
وهبي في قلب المعادلة
إشادة “البام” بما وصفه بـ”الإصلاحات العميقة” التي قادها وهبي داخل وزارة العدل لم تكن بريئة سياسيا، بل حملت دلالة واضحة على دعم الحزب لوزيره في مواجهة ما يعتبره البعض “سحبا غير مبرر” لملف حساس من تحت يده.
هذا الدعم يعكس أيضا تخوفا داخل الحزب من إعادة ترتيب موازين القوة داخل الأغلبية، خاصة إذا ما تم تكريس سابقة تدخل رئيس الحكومة في ملفات قطاعية بطريقة أحادية.
خلاف مكتوم أم بداية تصدع؟
رغم أن الخلاف لم يصل إلى مستوى المواجهة العلنية، إلا أن مؤشرات التوتر باتت واضحة، خصوصا في ظل تباين المقاربات بين مكونات الأغلبية حول تدبير ملفات إصلاحية كبرى.
الرسالة التي يبعث بها “البام” تبدو مزدوجة: التأكيد على الالتزام بالتحالف الحكومي من جهة، والتنبيه إلى حدود هذا الالتزام عندما يتعلق الأمر بتجاوز منطق التشاور من جهة أخرى.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مشاورات اللجنة الجديدة، يبقى سؤال التوازن داخل الأغلبية مطروحا بقوة: هل يتعلق الأمر بسوء تدبير ظرفي لملف حساس، أم أن الأمر يعكس بداية تصدع صامت في هندسة التحالف الحكومي؟




