ذاكرةشواهد على التاريخ

وفاة الزُهرة ناصور المواق عميدة المسنين بالمغرب

منجيب المعطي

بقلم: المؤرخ منجب المعطي

رحلت الزهرة ناصور المواق، عميدة المسنّين بالمغرب، كما ترحل الأشجار العتيقة في صمتٍ مهيب، بعد أن أتمّت، وفق الوثائق الرسمية المحفوظة لدى أسرتها، عامها الرابع بعد المئة منذ شهرين تقريبًا.

نتحدث عن عمرٍ مسجّل في دفاتر الإدارة، لا عن تخميناتٍ عاطفية

ونحن هنا نتحدث عن عمرٍ مسجّل في دفاتر الإدارة، لا عن تخميناتٍ عاطفية كثيرًا ما تُبالغ في تقدير الأعمار حتى تُخرجها من جلالها إلى الأسطورة.

وطبعا قد يوجد بالمغرب من يقربها عمرا خصوصا بمناطق سوس والأطلس الصغير والجزء الغربي من الصحراء إلا أن تاريخ ازدياد المسنين كما قلنا أعلاه يبقى موضوعا جدليا لدى المجتمع المغربي.

عرفتُ هذه السيدة الوقور إبّان دراستي الثانوية بمدينة ابن سليمان، حين كانت تزور بين الفينة والأخرى ابنها، صديقي الأستاذ محمد المواق، النقابي والحقوقي المعروف.

هذه الكلمات المقتضبة ليست إلا عزاءً صادقًا له ولذويه

وكانت تدخل المكان بهدوء الواثقين، وعلى محيّاها مسحةُ زمنٍ آخر. وهذه الكلمات المقتضبة ليست إلا عزاءً صادقًا له ولذويه، وشهادة محبّة في حق امرأةٍ عبرت قرنًا من التحوّلات ولم تنحنِ.

في قبيلة أولاد سعيد، نواحي سطات، لم تكن الزهرة تشبه العجائز في شيء. ظلّت تمشي كل صباح كأنما تستدرك على الأيام فتسبقها، تزور الأقارب في أفراحهم: زواجًا كان أو عقيقةً أو خطوبة، وتشدّ الرحال لعيادة المرضى، وتسعى للإصلاح إن نشب خصام. وحتى سنتها الأخيرة، كانت تُعِدّ الشاي بيدين ثابتتين، وتغسل الأواني، وتُرتّب المطبخ كأن النظام طقسٌ من طقوس الوفاء للحياة.

تفتح نوافذ على مغربٍ كان يتشكّل على مهل

كانت إذا جلست تحكي، انفرجت الأسارير. تسرد حكايات الأزمنة الغابرة، فتدور بنا في دوائر العجب، وتفتح نوافذ على مغربٍ كان يتشكّل على مهل، في ليالٍ يضيئها السمر وتؤنسها الحكاية. وكان لصوتها ذلك الرنين الذي لا يُكتسب، بل يُهدى لمن عاش طويلًا بما يكفي ليفهم المعنى ويصونه.

ذاع صيتها في دواوير الشاوية ودكالة، لا لطول عمرها فحسب، بل لحذقها في مهنة التوليد. كان الناس يقولون، وفي نبرتهم يقينٌ شعبيّ عميق: “التيسير يأتي دائمًا على يدها، سبحان الله”.

كانت تمارس مهنتها بطمأنينة المؤمن بأن لكل عسرٍ فرجًا، وبأن يد الرحمة قد تُجسّدها امرأة بسيطة في ثوبٍ أبيض.

كلما نجحت في “فكّ امرأة” — كما كانت تسمي إنقاذ الحالات العسيرة أو شبه الميؤوس منها — عقدت عقدةً في حبلٍ لا يفارقها.

أوصت أبناءها وأحفادها أن يُدفن معها ذاك الحبل

صار الحبل دفترَها السري، وسِفر انتصاراتها الصامتة على وجع المخاض. وأوصت أبناءها وأحفادها أن يُدفن معها ذاك الحبل، شاهدًا على رسالتها. غير أن أمنيتها لم تتحقق، إذ اعترض بعضهم لأسباب دينية، فبقي الحبل في الدنيا، وبقي سرّه معلقًا بين الأرض والسماء.

وللحبل حكاية، ولرسالتها جذرٌ في جرحٍ قديم. فقد وقع لها، في مطلع شبابها، حادثٌ مروّع حين طلّقها زوجها الأول الذي كان يسيء معاملتها. لم يكن وليدها الأول يتجاوز أسبوعين أو ثلاثة حين “غضبت” — كما كان يُقال آنذاك — أي غادرت بيت الزوجية إلى بيت أبيها. لكن والدها اشترط، إن هي أصرت على الطلاق، أن يبقى الرضيع عند أبيه حتى يتيسّر لها زواجٌ ثانٍ. وكانت الأعراف يومئذٍ تقسو على المطلّقة، خاصة إن كانت أمًّا.

نذرت نفسها لتخفيف آلام الأمهات والأطفال

ظلّ صراخ رضيعها من الجوع حتى الموت يسكنها عمرًا بأكمله. لم يكن يفصل بين بيت أبيها وبيت طليقها سوى جدارٍ غير مسيّك، ومع ذلك كان البعد أبعد من المسافات. حملت ذلك الوجع في صدرها، لا بوصفه ذكرى، بل قدرًا.

وربما، تكفيرًا عمّا اعتبرته ذنبًا فُرض عليها بفعل تقاليد ذكورية بالية، نذرت نفسها لتخفيف آلام الأمهات والأطفال، فاحترفت التوليد وأبدعت فيه.

كانت ترفض الأجر والهدايا ذات القيمة، وتقبل فقط ما يُسمّى “لبياض”: بيضاتٍ معدودة، أو شيئًا من السكر، أو إناءً من حليب. كأنها أرادت أن تظل يدها خفيفة، بيضاء مثل ما تأخذ، ومثل النوايا التي خرجت بها إلى بيوت الناس.

هكذا عاشت الزهرة ناصور المواق: قرنًا من الألم والعمل، من الفقد والعطاء، من الحكاية والستر. رحلت، وبقيت في ذاكرة من عرفوها امرأةً تمشي بخفة المئة عام، وتترك في كل بيتٍ أثر طمأنينة.

رحم الله والدتك، وعزاؤنا واحد يا صديقي سي محمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى