
زيادة تحمي العدالة… أم تفضح اختلال الأولويات؟
صادقت وزارة الاقتصاد والمالية على زيادة صافية قدرها 3000 درهم لفائدة القضاة من الدرجات الأولى والثانية والثالثة، ويأتي القرار كاستجابة لمطالب نادي قضاة المغرب الذي دافع عن ضرورة تحصين الوضعية المادية لنساء ورجال القضاء في مواجهة موجة غلاء المعيشة… القرار الذي يرتقب أن يدخل حيز التنفيذ قبل نهاية شهر فبراير، قُدم باعتباره خطوة لتعزيز الاستقلالية المادية والمعنوية للقضاة وضمان أداء مهني مستقر يليق بمكانة السلطة القضائية، لكن المفارقة الصارخة تكمن في أن التضخم ذاته يثقل كاهل باقي الموظفين والأجراء دون أن يطالهم نفس “التحصين”.
التضخم حين يُفصّل على مقاس فئة دون أخرى
تشير المعطيات الرسمية إلى أن معدل التضخم في المغرب خلال السنة الماضية تراوح بين 5 و6 في المائة، مع ارتفاعات قياسية في أسعار المواد الغذائية تجاوزت في بعض الأشهر 10 في المائة، ما انعكس مباشرة على سلة الاستهلاك الأساسية للأسر.. غير أن الأجور في القطاعين العام والخاص لم تواكب هذا الارتفاع إلا بشكل محدود، حيث ظل الحد الأدنى للأجور في الوظيفة العمومية جامدًا تقريبًا، فيما لا تتجاوز زيادات أغلب الموظفين بضع مئات من الدراهم إن وُجدت أصلًا، وفي هذا السياق، تبدو زيادة 3000 درهم للقضاة وكأنها استثناء سخي داخل قاعدة واسعة من التقشف الاجتماعي غير المعلن.
استقلالية القضاء بين الضرورة والانتقائية
لا يجادل اثنان في أن استقلالية القضاء تمرّ أيضًا عبر ضمان شروط مادية لائقة للقضاة، تحميهم من كل أشكال الضغط أو الإغراء، وتمنحهم القدرة على أداء مهامهم في ظروف كريمة، غير أن ربط النزاهة بزيادة الأجور يوحي، ضمنياً، بأن النزاهة قابلة للتفاوض تبعاً للدخل، وهو طرح يثير حساسية أخلاقية ومؤسساتية في آن واحد.. طرح يتجاوز القضاء ليصل إلى بقية المهن العمومية الحساسة.. فكيف تحصن استقلالية الطبيب أو الأستاذ أو رجل الأمن لأن رواتبهم لم تتلقَّ نفس “الإنعاش التضخمي”؟. . وهل تتحقق هذه الاستقلالية حصراً عبر زيادات مالية ظرفية؟ أم أن الأمر يتطلب إصلاحاً أعمق لمنظومة العدالة يشمل ظروف العمل، وعبء الملفات، والبنية التحتية، والشفافية؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة ناجزة في محاكم يجتمع فيها قضاة مرفوعو الأجر إلى جانب موظفين و مُتقاضين مثقلين بغلاء المعيشة ؟
الرسالة السياسية… ثقة تُبنى أم فجوة تتسع؟
تقدم الحكومة هذه الخطوة باعتبارها ركيزة لتعزيز الثقة في منظومة العدالة وترسيخ سيادة القانون، لكن الرأي العام قد يقرأها من زاوية أخرى، زاوية الأولويات الاجتماعية المختلة.. ففي الوقت الذي تنتظر فيه فئات واسعة من موظفي القطاع العام و الخاص إصلاحًا شاملًا لمنظومة الأجور و ضروف العمل و تحسينًا عامًا للقدرة الشرائية، تأتي هذه الزيادة لتكرس إحساسًا بأن بعض القطاعات أكثر استعجالًا في نظر صانع القرار من غيرها.. وان التضخم، في عرف السياسات العمومية، ليس معاناة مشتركة بل ملفًا يُعالج بانتقائية .
بين العدالة كقيمة والعدالة كامتياز
و هكاذا يتحول التضخم في الخطاب الرسمي إلى مبرر نبيل عندما يتعلق الأمر بالقضاة، وإلى قدر محتوم عندما يتعلق الأمر بباقي المواطنين.. مفارقة تختزل جانباً من اختلالات السياسات العمومية، حيث تُعالج الأعراض داخل المؤسسات، بينما يُترك الجسد الاجتماعي ليقاوم الألم بصمت.
وفي النهاية، قد تكون زيادة أجور القضاة خطوة مفهومة من زاوية تدعيم استقلالية القضاء، لكنها تظل ناقصة من زاوية العدالة الاجتماعية.. لأن استقلالية العدالة لا تُبنى فقط داخل المحاكم، بل أيضاً خارجها… في مجتمع يشعر فيه الجميع أن كلفة العيش وُزعت عليهم بالتساوي..




