الرئسيةصحةمجتمع

الاتجار بالبشر بعباءة الطب بفاس تقود للسجن

يكشف الحكم الصادر عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بفاس حجم السقوط حين تتحول المهنة التي يفترض أن تداوي الأرواح إلى أداة لإخضاعها.. فقد أدانت المحكمة طبيباً نفسياً كان يتابع بتهم ثقيلة تتعلق باستغلال مريضات نفسياً وجنسياً، والاتجار بالبشر، وحيازة المخدرات واستهلاكها وتسهيلها للغير، وقضت في حقه بعشرين سنة سجناً نافذاً وغرامة قدرها 200 ألف درهم، مع إلزامه بأداء تعويض مدني لفائدة ضحيتين بلغ 30 مليون سنتيم،لم يكن الحكم مجرد عقوبة رقمية، بل صفعة قانونية لمشهد اختلطت فيه السلطة العلاجية بالرغبة في السيطرة، وتحوّل فيه فضاء يفترض أنه آمن إلى منطقة رمادية تُدار فيها العلاقات خارج أي أخلاق مهنية.

شبكة اتهامات… وأحكام متفاوتة

لم يكن الطبيب المتهم وحده في قفص الاتهام.. فقد أدين ابن عمه، المتابع بالمشاركة، بخمس سنوات سجنا نافذا وغرامة 50 ألف درهم، كما نال المصور المعتقل في الملف حكما بـ6 سنوات سجنا نافذا وغرامة 10 آلاف درهم.

فيما أدين الممرض المتقاعد، والمتابع من أجل “انتحال صفة ينظمها القانون بدون شروط اكتسابها” طبقا للفصل 381 من القانون الجنائي، بسنة واحدة سجنا نافذا وغرامة 5 آلاف درهم.

أما الأستاذ الجامعي، الذي توبع في حالة سراح، فقد حكم عليه بـ6 أشهر حبسا نافذا وغرامة 5 آلاف درهم، في حين أدين البلجيكي صاحب رياض سياحي بالحي البورجوازي بفاس بسنة واحدة حبسا نافذا وغرامة 20 ألف درهم، وحُكم على مستخدمته بنفس المدة مع غرامة 3 آلاف درهم.

حين تتحول الهشاشة إلى “رأسمال إجرامي”

شددت النيابة العامة خلال مرافعتها على أن أركان جريمة الاتجار بالبشر قائمة، معتبرة أن المتهم “استغل ضعف الضحايا النفسي والاجتماعي تحت ستار العلاج، ما حولهن إلى ضحايا للاستغلال والإدمان” ، وطالبت بتوقيع أشد العقوبات المنصوص عليها قانونًا.

يعيد هذا الملف إلى الواجهة إشكالية استغلال الهشاشة النفسية والاجتماعية، خاصة في سياق تعاني فيه خدمات الصحة النفسية من خصاص بنيوي، وفوفق معطيات رسمية صادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في القطاع العام بضع مئات على الصعيد الوطني، مقابل طلب متزايد على خدمات الصحة النفسية. خصاص يضع المرضى في موقع ضعف، ويجعل الثقة في المعالج أحيانًا بلا ضوابط كافية.

الاتجار بالبشر… من النص القانوني إلى التطبيق القضائي

هذا وقد تمت إحالة الطبيب سابقًا من طرف قاضي التحقيق على غرفة الجنايات الابتدائية بناء على تهم واضحة: تسهيل استعمال المخدرات للغير، استهلاك المخدرات القوية، الاتجار بالبشر، وحيازة المخدرات واستهلاكها، وهي تهم ثقيلة تستند إلى ترسانة قانونية عززها المغرب منذ اعتماد قانون مكافحة الاتجار بالبشر، الذي وسّع مفهوم الجريمة ليشمل كل أشكال الاستغلال القائم على استغلال الهشاشة أو السلطة أو النفوذ.

و يبعث الحكم الصادر برسالة مزدوجة: من جهة تأكيد صرامة القضاء في التعامل مع جرائم تمس الكرامة الإنسانية، ومن جهة أخرى طرح أسئلة محرجة حول آليات المراقبة داخل بعض المهن الحساسة، فحين يتحول المعالج إلى متهم، والفضاء العلاجي إلى ساحة استغلال، فإن القضية تتجاوز بعدها الجنائي لتلامس عمق الثقة المجتمعية في المؤسسات.

ما بعد الحكم: أسئلة تتجاوز القضبان

لا يطوي الحكم الصادر الملف بقدر ما يفتح نقاشاً أوسع حول رقابة المهن الصحية الخاصة، وحول هشاشة فئات تبحث عن العلاج في سياق اجتماعي يزداد ضغطه يوماً بعد آخر، وفي ظل تنامي الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية، يصبح غياب اليقظة المؤسسية ثغرة خطيرة تضع القضية المجتمع أمام مرآة غير مريحة، حيث يتقاطع الضعف الإنساني مع الجشع، ويصبح القانون الملاذ الأخير بعد أن يفشل الضمير،وبين واقعية الوقائع وسخرية قدرها، يبقى السؤال معلقاً: كيف يمكن إعادة الاعتبار لفضاء يفترض أن يكون مساحة أمان لا ساحة استغلال؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى