الرئسيةسياسة

حقوقيون: اعتقال الحاصل رسالة تخويف للشباب

تتجدد في المغرب النقاشات المرتبطة بحدود حرية التعبير وموقعها في المشهد الحقوقي، خصوصاً في ظل متابعات قضائية تطال بعض النشطاء والمؤثرين الذين يعبرون عن مواقف سياسية أو اجتماعية عبر المنصات الرقمية أو الأعمال الفنية. ويؤكد حقوقيون أن هذه المتابعات تثير تساؤلات متزايدة حول ما يعتبرونه تضييقا على الأصوات المناهضة للتطبيع مع إسرائيل والداعمة للقضية الفلسطينية، في سياق يرون أنه يتعارض مع الضمانات الدستورية والمواثيق الدولية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير.

وفي هذا الإطار، مثل أمام المحكمة الابتدائية بمدينة تازة، يوم الخميس، فنان الراب الشاب صهيب قبلي المعروف فنيا بلقب «الحاصل»، الذي يتابع في حالة اعتقال بعد توجيه عدة تهم إليه، من بينها الإخلال بواجب التوقير لمؤسسة دستورية، وإهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بمهامهم، وإهانة هيئة منظمة، إضافة إلى نشر وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة عبر الأنظمة المعلوماتية بقصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم.

وبحسب معطيات متداولة، قررت المحكمة تأجيل جلسة محاكمته إلى 12 مارس من أجل تمكين هيئة الدفاع من إعداد مرافعتها، وهو القرار الذي جاء بعد طلب تقدم به محامو الفنان الشاب.

رواية العائلة والفاعلين الحقوقيين

ينفي والد صهيب قبلي التهم الموجهة إلى ابنه، مؤكدا أنه معروف بحسن السلوك، في حين يرى نشطاء وهيئات حقوقية أن الملف يرتبط أساسا بالمواقف التي عبر عنها الفنان في أعماله الفنية ومنشوراته، حيث اشتهر بأغانٍ تتناول قضايا اجتماعية وسياسية، وتعبّر عن انتقاده للتطبيع مع إسرائيل وتضامنه مع الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق، عبر الفضاء المغربي لحقوق الإنسان عن إدانته لاعتقال الفنان الشاب، معتبرا أن متابعته في حالة اعتقال تمثل “اعتقالا تعسفياً، كما انتقد اللجوء إلى القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر في مثل هذه القضايا المرتبطة بالتعبير.

وأوضح التنظيم الحقوقي أن هذا الإجراء يمس بحرية الرأي والتعبير التي ينص عليها الفصل 25 من الدستور المغربي، الذي يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها، كما يتعارض – وفق تقديره – مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تضمن لكل فرد الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة والتعبير عنها ونقلها بمختلف الوسائل.

وطالب التنظيم بإطلاق سراح الفنان الشاب وتمتيعه بمحاكمة تتوفر فيها شروط العدالة، داعياً أيضاً إلى الإفراج عن معتقلي الرأي، وفق تعبيره.

خلفيات الملف وسياقاته

يشير متابعون إلى أن صهيب قبلي، البالغ من العمر 20 سنة، وهو طالب جامعي ينحدر من مدينة تازة، استطاع خلال فترة قصيرة بناء قاعدة جماهيرية داخل أوساط الشباب عبر أعماله التي تلامس قضايا اجتماعية وسياسية.

ويرى متضامنون معه أن متابعته جاءت بسبب مضمون أغانيه ومواقفه السياسية، معتبرين أن ما يحدث يعكس حساسية متزايدة تجاه التعبير السياسي في الفضاء الرقمي.

كما أثار بعض النشطاء مقارنات بين قضيته وقضايا فنانين آخرين في الساحة الفنية، معتبرين أن التعامل مع الإنتاجات الفنية يخضع أحياناً لما وصفوه بـ “معايير مزدوجة”، وهو نقاش يعكس الانقسام داخل الرأي العام حول حدود حرية التعبير في المجال الفني.

ملابسات التوقيف

وتعود تفاصيل توقيف الفنان الشاب إلى يوم الاثنين الماضي، عندما استجاب لاستدعاء أمني وُجه إليه بمدينة فاس. وبحسب معطيات متداولة، التحق بمقر الأمن في حدود الساعة العاشرة صباحاً في إطار الإجراءات القانونية، غير أن مدة بقائه داخل المقر امتدت لساعات طويلة دون تواصل مع أسرته، ما أثار قلق ذويه.

وفي وقت لاحق من مساء اليوم نفسه، علمت العائلة أنه جرى وضعه رهن الاعتقال الاحتياطي، الأمر الذي دفعها إلى المطالبة بالكشف عن ملابسات توقيفه والإجراءات المتخذة في حقه.

تضامن رقمي وحقوقي

وعقب انتشار خبر توقيفه، أطلق نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي حملة تضامن واسعة تحت وسم «الفن ليس جريمة» و «أطلقوا سراح الرابور صهيب». كما أعلنت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عبر فرعها في تازة أنها تتابع الملف عن كثب، مؤكدة التزامها بإطلاع الرأي العام على مستجداته.

تكشف قضية الفنان الشاب صهيب قبلي عن استمرار التوتر بين المجالين الفني والسياسي في المغرب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتعبيرات فنية تحمل مواقف سياسية واضحة. كما تعكس الجدل القائم حول حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي، ومدى التوازن بين مقتضيات القانون الجنائي وضمانات الحقوق والحريات.

وفي الوقت الذي ترى فيه السلطات أن المتابعات القضائية تدخل في إطار تطبيق القانون وحماية المؤسسات والأفراد من التشهير، يعتبر جزء من الفاعلين الحقوقيين أن هذه القضايا تطرح أسئلة جوهرية حول حماية حرية التعبير، خصوصاً عندما ترتبط بالأعمال الفنية أو بالمواقف السياسية.

ويبقى مسار هذه القضية، وما ستؤول إليه المحاكمة، مؤشراً مهماً على طبيعة التفاعل بين المنظومة القانونية والفضاء الثقافي والحقوقي في المغرب، وعلى قدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين احترام القانون وصون الحقوق الأساسية للمواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى