الرئسيةحول العالمشواهد على التاريخ

لومومبا يعود من قبر التاريخ بعد 60 عاماً

تُعيد العدالة البلجيكية فتح صفحة سوداء من تاريخ الاستعمار، بعد أن قررت الدائرة التمهيدية في بروكسل إحالة الدبلوماسي والسياسي السابق إتيان دافينيون إلى المحكمة الجنائية، على خلفية اتهامات ثقيلة تتعلق بالمشاركة في جرائم حرب انتهت باغتيال باتريس لومومبا، أول رئيس حكومة للكونغو المستقلة، في 17 يناير 1961..

ويأتي هذا القرار في سياق قضائي متأخر زمنياً، لكنه مشحون سياسياً وأخلاقياً، كأنه اعتراف ضمني بأن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، حتى وإن حاولت الذاكرة الرسمية طمسها لعقود.

إرث دموي للاستقلال.. ظل لومومبا، جريمة أكبر من رجل

تستحضر هذه الإحالة القضائية واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ إفريقيا ما بعد الاستقلال، حين تحوّل حلم التحرر إلى مسرح لصراعات دولية خفية، وتكشف الاتهامات الموجهة إلى دافينيون، البالغ من العمر 93 عاماً، عن شبهات تورطه في عمليات اختطاف ونقل لومومبا قبل تصفيته، في سياق معقد امتزجت فيه المصالح الاقتصادية الغربية بالخوف من صعود زعامات وطنية مستقلة القرار.. وتضع هذه الخطوة القضائية مجدداً مسؤولية القوى الاستعمارية السابقة تحت المجهر، بعدما ظلت لعقود تتوارى خلف خطاب دبلوماسي ناعم يخفي تاريخاً خشناً من التدخلات.

المحاكمة واختبار العدالة الدولية

بالنسبة لعائلة لومومبا، التي تقود المعركة القضائية منذ 2011، يشكّل القرار خطوة أولى لا خاتمة. فالمحاكمة المرتقبة، إن انعقدت، ستكون سابقة في ملاحقة مسؤول رسمي عن جريمة سياسية من زمن الاستعمار.. لكنها تفتح في المقابل سؤالاً حاداً حول بطء العدالة حين تصطدم بنفوذ تاريخي راسخ، فكيف لملف بهذا الثقل أن ينتظر أكثر من ستة عقود ليصل إلى القضاء؟ في الواقع، يأتي هذا التقدم متأخراً حدّ المرارة.. حيث رحل أغلب المتهمين، وتآكلت الذاكرة، ولم يبقَ سوى أشباح الحقيقة، فيما يتحول التأجيل الطويل إلى شكل ناعم من اشكال الإفلات من العقاب.

تكشف القضية رهانات الذاكرة والإنصاف

تتجاوز هذه المحاكمة بعدها القانوني لتتحول إلى معركة رمزية حول الذاكرة والإنصاف، إذ تسعى إلى إعادة الاعتبار لشخصية لومومبا، الذي ظل رمزاً لمقاومة الهيمنة الخارجية، وتفتح هذه الخطوة الباب أمام مساءلة أوسع لدور الفاعلين الدوليين في إفريقيا خلال مرحلة الحرب الباردة، حيث لم تكن السيادة الوطنية سوى شعار هش أمام مصالح القوى الكبرى، كما تضع بلجيكا أمام اختبار أخلاقي جديد، بين الاعتراف الكامل بماضيها الاستعماري أو الاكتفاء بإجراءات قضائية متأخرة قد تبدو، في نظر البعض، مجرد محاولة لتبييض صفحة التاريخ.

تعيد المحاكمة تعريف معنى العدالة المتأخرة

وفي ذات السياق، تؤكد هذه التطورات أن العدالة، وإن تأخرت، تظل قادرة على ملاحقة أشباح الماضي، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدودها حين تصطدم بحسابات السياسة والتاريخ، وتبقى هذه القضية، بما تحمله من دلالات، اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الأنظمة القضائية الأوروبية على مواجهة إرثها الاستعماري بجرأة وشفافية، بعيداً عن الانتقائية.. وبينما ينتظر الرأي العام الدولي ما ستؤول إليه المحاكمة، يظل السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام انتصار متأخر للعدالة، أم مجرد فصل جديد من فصول إدارة الذاكرة بدل مواجهتها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى