الرئسيةرياضةشواهد على التاريخ

بورتريه: من قلب المغرب…يد مرفوعة تُعيد باتريس لومومبا إلى إفريقيا

لم يكن أحد يتوقع أن يتحول رجل بسيط، يقف في المدرجات وذراعه مرفوعة بلا كلل، إلى البطل الأول لنسخة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم المقامة حاليا في المغرب.

ميشيل كوكا مبولادينغا

سرق ميشيل كوكا مبولادينغا الأضواء من النجوم

سرق ميشيل كوكا مبولادينغا، المشجع الكونغولي ذو الوقفة الأسطورية، الأضواء من النجوم، واحتل صدارة شاشات التلفزيون وعناوين الصحف وموجات المنصات الرقمية.

صوته لم يكن يسمع صوته دائما، لكن صورته كانت أقوى من أي هتاف، وجسده النحيل صار رمزا لأمة تبحث عن أمل مفقود منذ عقود.

يقف الرجل، دائما، ويده اليمنى مرفوعة نحو السماء في حركة ثابتة لا تهتز. ليست إيماءة اعتباطية؛ إنها استحضار واعٍ لروح باتريس لومومبا، الزعيم الذي دفع حياته ثمنا لحلم الكونغو الحر والموحد. ولذلك، حين كانت الكاميرات تتجول بين المدرجات، كانت تقع على وجه مبولادينغا المتقد بحزن جميل، وكأنه يستدعي المقاتل الذي لم يمت في الذاكرة.

مطالبات بتكريم الرجل اعترافا بما مثله من تشجيع حضاري وسلوك راق

بعد إقصاء منتخب الكونغو الديمقراطية من البطولة، ارتفعت أصوات جماهير مغربية تطالب بتكريم الرجل، اعترافا بما مثله من تشجيع حضاري وسلوك راق وصورة إنسانية لا تُنسى.

بدا الأمر وكأن البطولة نفسها تعترف بأن هناك من يستحق ميدالية الشرف خارج أرض الملعب.

لكن حكاية مبولادينغا لا تُفهم دون العودة إلى الرجل الذي يحيي ذكراه:


باتريس إيميري لومومبا، أول رئيس وزراء للكونغو المستقلة عام 1960، وزعيم الحركة الوطنية الذي حمل مشروعا وحدويا أفريقيا جريئا.

قاد بلاده من ظلام الاستعمار البلجيكي إلى لحظة الاستقلال، قبل أن تغرق الكونغو سريعا في أزمة خانقة، وتمرد عسكري، ثم انقلاب أطاح به بعد أشهر فقط من توليته.

حاول لومومبا الهروب نحو ستانليفيل للالتحاق بأنصاره، لكن قوات موبوتو اعترضته وألقت القبض عليه. سلّم إلى سلطات كاتانغا الانفصالية، حيث تعرض للتعذيب والإعدام بمشاركة مرتزقة بلجيكيين وبتواطؤ دولي متعدد.

أُخفيت جثته وذُوبت في الحمض، ولم يبق للعائلة سوى “سن” أعادته بلجيكا عام 2022 “اعتذارا” عن “المسؤولية الأخلاقية”.

اغتيال لومومبا لم يكن حدثا عاديا في تاريخ إفريقيا

اغتيال لومومبا لم يكن حدثا عاديا في تاريخ إفريقيا؛ كان نهاية حلم وبداية مأساة. فمنذ صعود موبوتو إلى الحكم، غرقت البلاد في ثلاثة عقود من الديكتاتورية والفساد والحروب التي امتدت إلى تسعة بلدان أفريقية، وخلفت ما يفوق 5.4 ملايين ضحية، لتصبح “حرب الكونغو” ثاني أكثر الصراعات دموية منذ الحرب العالمية الثانية.

ورغم مرور أكثر من ستة عقود على مقتله، لم يخفت وهج لومومبا. بقي رمزا للنقاء السياسي، وللوطنية الجذرية، وللحلم الأفريقي الكبير الذي لم يكتمل.

وكأن مبولادينغا حين يرفع يده في المدرجات، إنما يرفعها نيابة عن شعبٍ لم يجد بعد طريقه إلى الاستقرار.

إنه أكثر من مشجع… إنه ذاكرة حية، تسير بين الجماهير وتذكر العالم بأن كرة القدم ليست مجرد فوز وخسارة، بل مساحة تعود فيها الشعوب إلى رموزها، وتستعيد ما تبقى من أحلام مؤجلة.

وفي بطولة المغرب 2025، بات ميشيل كوكا مبولادينغا، بوقفته البسيطة الصامتة، أكثر حضوراً من كثير من اللاعبين. لأنه، ببساطة، حمل الكونغو كلها على كتفه المرفوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى