الرئسيةمجتمع

العريضة كأداة ضغط ضد ساعة إضافية مرفوضة

في مشهد يكشف عن احتقان صامت يتكرر كل عام، أعلنت العريضة الوطنية المطالِبة بالعودة إلى التوقيت القانوني (غرينتش) عن تعيين منسقين جهويين عبر مختلف مناطق المغرب، في خطوة تنظيمية تهدف إلى تحويل التذمر الشعبي من الساعة الإضافية إلى فعل مدني مؤطر.. المبادرة لا تقدم نفسها كحركة احتجاجية عابرة، بل كآلية ضغط قانونية تستند إلى مقتضيات العرائض، محاولةً إعادة النقاش حول الزمن من خانة القرار الإداري إلى فضاء النقاش العمومي.

تنظيم الغضب: من تذمر يومي إلى شبكة ميدانية

يعكس تعيين منسقين جهويين إدراكًا بأن رفض الساعة الإضافية لم يعد فرديًا أو موسمياً، بل أصبح بنية شعورية جماعية. حيث دعت العريضة المواطنين إلى التواصل مع ممثلي جهاتهم لتوقيع المبادرة والانخراط في توسيع دائرة التعبئة داخل الأحياء والمدن، في محاولة لصياغة ما وصفته بـ”الصوت المواطن”المطالب بزمن أكثر عدلاً واستقرارًا، و يعكس هذا التحول من الشكوى إلى التنظيم فجوة بين القرار العمومي والإيقاع الاجتماعي، حيث تتحول الساعة إلى عنصر توتر يومي بدل أن تكون أداة تنظيم.

كلفة خفية لساعة “اقتصادية”

رغم أن اعتماد الساعة الإضافية يُبرَّر رسميًا بدوافع اقتصادية، خصوصًا تقليص استهلاك الطاقة، إلا أن أرقامًا متداولة تشير إلى أن هذا المكسب يظل محدودًا، حيث تتحدث تقارير سابقة لوزارة الانتقال الطاقي عن توفير لا يتجاوز 0.3% من الاستهلاك السنوي للكهرباء، وهو رقم يبدو ضئيلاً مقارنة بالكلفة الاجتماعية غير المحسوبة، وفي المقابل، تشير دراسات دولية إلى أن اضطراب الساعة البيولوجية يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية بنسبة قد تصل إلى 5% خلال الأسابيع الأولى من تغيير التوقيت، إضافة إلى ارتفاع نسب التوتر واضطرابات النوم، خاصة لدى التلاميذ والعمال.. وهنا، يتحول “الربح الطاقي” إلى خسارة بشرية صامتة.

المدرسة أول الضحايا… والأسرة تدفع الثمن

يظل القطاع التعليمي الأكثر تأثرًا بهذا الاختلال الزمني، فملايين التلاميذ يضطرون للاستيقاظ في ساعات مبكرة تحت ظلام دامس، ما يطرح إشكالات السلامة والتركيز، وفق معطيات مهنية، يناهز عدد التلاميذ في المغرب 11 مليونًا، ما يعني أن قرار الساعة الإضافية يمس بشكل مباشر بنية يومية لثلث السكان تقريبًا، فيما تجد الأسر بدورها نفسها أمام معادلة مرهقة: توقيت عمل لا ينسجم مع توقيت الدراسة، ونمط عيش مفروض لا يراعي الخصوصيات الاجتماعية.

بين القانون والبيروقراطية: مسار العريضة

تستند المبادرة إلى القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بالعرائض، والذي يفرض شروطًا دقيقة: تسجيل الموقعين في اللوائح الانتخابية، تشكيل لجنة من خمسة أعضاء على الأقل، وجمع 4000 توقيع مرفقة بالبيانات، وبعد الإيداع، تمر العريضة عبر مسار إداري يمتد إلى 60 يومًا، بين التحقق القانوني وإصدار التوصيات.. مسار قد يبدو، في نظر منتقدين، طويلاً بما يكفي لتبريد أي زخم شعبي.

زمن مفروض أم اختيار جماعي؟

في النهاية، تعيد هذه العريضة طرح سؤال أعمق من مجرد ساعة: من يحدد إيقاع الحياة اليومية؟ هل هو منطق السوق والارتباط بالاقتصاد العالمي، أم حاجيات المجتمع وتوازناته؟

الساعة الإضافية، التي قُدمت كحل تقني، تحولت إلى رمز لاختلال العلاقة بين القرار والمواطن، وبينما تدور العقارب بثبات، يبدو أن الجدل حولها لن يتوقف قريبًا، لأن الزمن هنا لم يعد مجرد أرقام… بل إحساس جماعي بالاختلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى