لقد تابعت باهتمام لقائكم الحواري الأخير على القناة الثانية. غير أن ما استوقفني، هذه المرة، لم يكن فقط مضمون النقاش بل ذلك الانحدار المقلق في مستوى الخطاب السياسي، حيث تحول تدخل أحد مسؤولي شبيبة الحزب الذي يقود الحكومة إلى تعبير مكثف عن تمظهرات البنية المقاومة للإصلاح.
مفهوم جيوب مقاومة الإصلاح ليس توصيفا إنشائيا
من الواضح أن الأمر لم يكن يتعلق إطلاقا بنقد سياسي مشروع بل بممارسة خطابية لا تستعمل اللغة لتبادل الحجج بل لتوجيه الإدراك و الضبط، ممارسة خطابية قائمة على التبخيس و التبسيط و الإنتقاء وإعادة تأويل الوقائع، في محاولة بئيسة لتشتيت الانتباه عن السؤال الجوهري: ما الفرق بين تدبير الشأن العام بمنطق حماية مراكز أصحاب النفوذ و إدارته بهدف التقدم و التراكم في مسار الإصلاح و قضايا الشعب و الانتقال الديمقراطي؟
إن مفهوم جيوب مقاومة الإصلاح ليس توصيفا إنشائيا، بل هو تعبير عن واقع سياسي مركب، كما أبرزت ذلك أدبيات التحليل السياسي الحديث، لا سيما لدى أنطونيو غرامشي الذي أوضح أن القوى المحافظة لا تواجه التغيير فقط بالقوة، بل عبر بناء أجهزة هيمنة تعيد إنتاج نفس المنطق داخل المجتمع و تتخذ هذه الجيوب أشكالا تجمع بين لوبيات الاقتصاد و شبكات الإعلام و نخب سياسية وظيفية تستدعى لتأدية أدوار هجومية خاطفة على الخطوط الأمامية للتوجهات الإصلاحية الحقيقية.
إعادة طرح سؤال السلطة والمساءلة و تذكير المغاربة بقيمة البديل الديمقراطي التقدمي
ومن هذا المنظور، يصبح الهجوم الذي تعرضتم له قابلا للفهم، ليس لأنه يستهدف شخصا، بل لأنه يستهدف خطابا يربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ويعيد طرح سؤال السلطة والمساءلة و تذكير المغاربة بقيمة البديل الديمقراطي التقدمي خاصة حين يجمع بين القيم و الوطنية و الاعتدال و الكفاءة و الخبرة و الشجاعة السياسية.
غير أن أبرز ما شاب ذلك التدخل هو طريقة إثارة مسألة إعفاء وزراء حزب التقدم والاشتراكية على خلفية حراك الريف، حيث جرى تقديمها وكأنها نتيجة تقنية مباشرة لاختلالات تدبيرية مرتبطة بمشروع الحسيمة منارة المتوسط.
والحال أن مقاربة هذا الحدث في شموليته تقتضي استحضار تعقيدات السياق السياسي والمؤسساتي الذي طبع تلك المرحلة وما تميزت به من تداخل بين أبعاد المسؤولية التدبيرية وحساسية التموقعات السياسية في لحظة وطنية دقيقة.
فالقراءات الحريصة على الموضوعية لا تستقيم دون الإنتباه إلى ما قد يكون قد ترتب عن بعض الاختيارات السياسية من كلفة ضمنية لاسيما في ما يتصل بإقدام الحزب على بناء تجربة ملموسة لتحالف برنامجي بين فصيل من اليسار و آخر من الإسلام السياسي، و هو تقارب غير مألوف نظر إليه بنوع من الريبة و القلق لدى بعض الأوساط و النخب آنذاك.
أما الادعاء المتعلق بموقف الحزب من احتجاجات الريف، فلا يقل تضليلا، إذ يتجاهل أنكم عبرتم، في أكثر من مناسبة و بكل الوسائل، عن تفهمكم للمطالب الاجتماعية المشروعة مع الاحتفاظ، بطبيعة الحال، بحق نقد الاحتجاجات لتبقى ذات طبيعة اجتماعية من شأنها المساهمة في إحالة سؤال العدالة الاجتماعية على جدول أعمال الانتقال الديمقراطي. كل هذا الضجيج و التضليل الفج يكشف أن الهدف لم يكن النقاش بل التشويش و التشويه.
لكن، إذا انتقلنا من الخطاب إلى حصيلة الحكومة الحالية التي جاء المعني بالأمر مندوبا للترافع عنها بذلك الشكل المثير للشفقة، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحا.
حكومة ظلت حبيسة تدبير تقني محدود الأثر
فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، تظهر المؤشرات أن هذه الحكومة لم تستطع تحقيق التحول الموعود، بل ظلت حبيسة تدبير تقني محدود الأثر.ذلك أن النمو الاقتصادي ظل في حدود متوسطة تقارب 2% إلى 3%، وهو معدل لا يرقى إلى خلق دينامية تنموية قوية أو استيعاب البطالة المتزايدة.
في حين ارتفعت البطالة إلى مستويات مقلقة، متجاوزة 12% على المستوى الوطني، مع نسب أعلى في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، مما يعكس عجزا هيكليا في خلق فرص الشغل.
كما شهدت الأسعار ارتفاعا ملحوظا وغير مسبوق، حيث تجاوز التضخم في بعض الفترات 6%، وهو ما أدى إلى تآكل واضح في القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفئات الهشة.
أما على مستوى المالية العمومية، فقد حافظ الدين العمومي على مستويات مرتفعة تناهز 70% من الناتج الداخلي الخام، ما يطرح تساؤلات جدية حول استدامة التوازنات المالية.
وفي المقابل، لا تزال الفوارق الاجتماعية قائمة، مع استمرار اختلالات في توزيع الثروة، وتأخر في تفعيل الحماية الاجتماعية بشكل يضمن الإنصاف الفعلي.
تشير مؤشرات الثقة إلى تراجع واضح في علاقة المواطن بالمؤسسات
ناهيكم عن الأداء السياسي و التواصلي حيث تشير مؤشرات الثقة إلى تراجع واضح في علاقة المواطن بالمؤسسات، وهو ما يعكس أزمة سياسية بقدر ما هو خلل اقتصادي.
هذه الحصيلة، في دلالتها العميقة، لا تعبر فقط عن أداء حكومي محدود، بل تكشف عن غياب رؤية منسجمة قادرة على تحويل الموارد إلى نتائج ملموسة وتوزيع الثمار بشكل عادل.
في هذا السياق، يصبح خطابكم مزعجا، لأنه يعيد طرح الأسئلة التي يراد تجاوزها و تحييدها كسؤال العدالة الاجتماعية و تضارب المصالح و الحريات ومفهوم الدولة الاجتماعية و طبيعة القوى السياسية و الاجتماعية المؤهلة لتنزيله في معيش الناس . وهنا يتضح أن ما يجري ليس مجرد سجال، بل صراع حول من يملك تعريف الإصلاح.
السيد نبيل بنعبد الله،
يبدو أن ما تتعرضون له لا يمكن فصله عن منطق أعمق تحكمه توازنات المرحلة، إذ أنكم، وبقوة الأشياء ، أصبحتم أحد أبرز الأصوات التي لا تزال تنطق باسم التوجه الإصلاحي الذي يؤسس لدمقرطة الثروة و القرار و يعيد طرح سؤال السلطة في علاقتها بمصالح الناس.
هذا الموقع ، بما يحمله من وضوح في الرؤية و صلابة في الموقف، يجعلكم، موضوعيا، في واجهة الاستهداف لأن خطابكم يمس، في العمق، شبكة من المصالح المتداخلة التي لا ترى في الإصلاح سوى تهديد مباشر لامتيازاتها.
في هذا السياق، لم يعد الحياد موقفا بريئا، ولا الاكتفاء بالاستياء خيارا مقبولا، ذلك أن المرحلة تضع الديمقراطيين وعموم المواطنين أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة، وتدعوهم إلى إسناد الخطاب الذي يربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وعدم تركه معزولا في مواجهة قوى تسعى إلى إفراغ الإصلاح من مضمونه.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم التوجه الذي يجسده نبيل بنعبد الله وحزب التقدم والاشتراكية ، في هذه المرحلة ، يكتسي طابعا حاسما، ليس فقط كتعبير عن قناعة، بل كفعل سياسي واع يروم ترجيح كفة المشروع الإصلاحي في الاستحقاقات المقبلة وتعزيز موقعه داخل مؤسسات القرار بما يسمح بتحويل هذا التوجه من خطاب نقدي إلى قوة اقتراحية فاعلة قادرة على التأثير في موازين الاختيار العمومي .
استعادة الفعالية السياسية لليسار تقتضي تجاوز منطق التشتت
وهنا تبرز مسؤولية قوى اليسار الأخرى، التي ينتظر منها أن تراجع منطق حضورها السياسي، عبر الانتقال من مشاركة تفهم أحيانا كغاية في حد ذاتها، إلى مشاركة تبنى على هدف التنافس الحقيقي من أجل الفوز وصناعة التأثير.
ذلك أن استعادة الفعالية السياسية تقتضي تجاوز منطق التشتت واعتماد مقاربات تقوم على الحد الأدنى من التنسيق والتقاطع حول القواسم المشتركة بما يعزز الحضور الانتخابي ويقوي الأثر السياسي ويدعم في الآن ذاته مشروع الإصلاح داخل المؤسسات وفي أوساط المجتمع.
وفي هذا الأفق، تكتسب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة دلالتها الحقيقية، لا باعتبارها مجرد محطة دورية، بل بوصفها لحظة سياسية حاسمة لإعادة تشكيل ميزان القوى على أساس الإرادة الشعبية.
إنها، في جوهرها، آلية للمساءلة الجماعية وفرصة لتحويل الذاكرة الاجتماعية، بما تختزنه من معاناة وانتظارات، إلى اختيار ديمقراطي واع يجسد مبدئي العقاب و البديل في صناديق الاقتراع.
وتزداد أهمية هذه اللحظة بالنظر إلى تقاطعها مع رهانات وطنية كبرى أبرزها استكمال بناء الدولة الاجتماعية و تفعيل النموذج التنموي الجديد و أجرأة مشروع الحكم الذاتي في إطار الوحدة الترابية و الاستعداد لاستحقاقات دولية بحجم كأس العالم 2030، وهي أوراش تتطلب نفسا سياسيا قويا ومشروعية ديمقراطية صلبة وقدرة على تحويل الاختيارات الاستراتيجية إلى سياسات عمومية ذات أثر ملموس.
نحو تعاقد سياسي واجتماعي فعلي يجعل من الدولة الاجتماعية واقعا معاشا لا وعدا مؤجلا
في قلب هذه المعادلة، يظل الدور الذي تضطلع به المؤسسة الملكية حاسما في تأطير الاختيارات الاستراتيجية الكبرى و ضمان استمرارية الدولة و استقرارها و لحمتها الوطنية بما يوفر أفقا إصلاحيا مستداما، غير أن اكتمال هذا الأفق يبقى رهينا بوجود وسائط سياسية ذات مصداقية قادرة على التأطير والتعبئة وعلى ترجمة تلك التوجهات إلى تعاقد سياسي واجتماعي فعلي يجعل من الدولة الاجتماعية واقعا معاشا لا وعدا مؤجلا.
إن الرهان القائم اليوم هو رهان إعادة بناء الثقة وإعادة الاعتبار للسياسة وإعادة توجيه البوصلة نحو مشروع مجتمعي عادل. وفي هذا المعنى، فإن الدفاع عن موقفكم و عن موقعكم ليس دفاعا عن شخص، بل دفاع عن خيار فكري وسياسي يراهن على الديمقراطية كأفق تاريخي.
لقد علمنا التاريخ أن كل مشروع إصلاحي حقيقي يقابل دائما بمحاولات إجهاض
غير أن ما يميز اللحظات الحاسمة هو وضوح الخيارات وعند تلك اللحظة الفاصلة لن يكون السؤال هو من كان يتأبط النقمة و التضليل و الصراخ؟ بل من كان يحمل فهما و مشروعا و أفقا و امتلك شجاعة الفعل؟ فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست مجرد تدبير للتناقض، بل هي القدرة على ترجيح كفة العدل داخل هذا التناقض و مرافقة التاريخ في مساره حيث يتجه و كما ينبغي أن يكون.
أكيد أنكم ستكونون محاطين بمناضلات ومناضلي حزبكم وبكل الأسماء والفئات التي أعدتم إليها الأمل في التغيير بعد حالة من الإحباط كادت أن تغذي مزاعم نكوصية من قبيل “نهاية التاريخ”.
إلا أن الأساسي في الأمر أن أوساطا واسعة من المواطنين و فعاليات وازنة من الديمقراطيين تراهن على هذا المسار وتستعد لإسناده والانتصار له، دون شك، في هذه المعركة الدقيقة لتعديل موازين القوى التي تخوضونها بحنكة وحكمة و اقتدار، داخل المؤسسات وفي الفضاء العمومي، دفاعا عن التوافق التاريخي مع المؤسسة الملكية و عن الانتقال الهادئ نحو الديمقراطية و عن المشروع الإصلاحي الكبير .
مع مودتي و تقديري و تضامني
خالد فضيل عضو سابق في جماعة المواطن قيادي سابق في الحركة من أجل الديمقراطية