الرئسيةرأي/ كرونيك

حينما يلح اليسار المغربي على صراع “ظله”

بدعوة كريمة من منتدى الفكر والمواطنة، حضرت للمرة الثانية أشغال هذا الفضاء الحواري صباح يوم الخميس 23 أبريل، انطلاقا من قناعة فكرية راسخة مفادها أن المشروع التقدمي لا يقاس فقط بمدى وفائه لشعاراته التاريخية، ولكن ايضا بقدرته على إعادة إنتاج نفسه داخل شروط تاريخية متغيرة. فالانتماء إلى اليسار، في تقديري، ليس مجرد تموقع إيديولوجي، بل هو التزام معرفي مركب، يستدعي مساءلة دائمة للأدوات والمفاهيم، وربطا عضويا بين الفكر والواقع، بين النظرية وإكراهات الممارسة.

بقلم: كمال الهشومي

أي يسار لمغرب يتغير في بنياته الاجتماعية

وقد شكلت الجلسة الافتتاحية، بحضور قيادات بعض احزاب اليسار؛ حزب التقدم والاشتراكية، حزب الاشتراكي الموحد، فيدرالية اليسار الديمقراطي،-شكلت- لحظة سياسية وفكرية كان من المفترض أن تؤسس لنقاش عميق حول سؤال المستقبل: أي يسار لمغرب يتغير في بنياته الاجتماعية، ويتحول في أنماط عيشه، ويعيد تشكيل علاقته بالدولة وبالسياسة؟ غير أن ما طبع جزءا مهما من هذه المداخلات هو نوع من الانفصال الصامت عن الزمن التاريخي، حيث استحضرت لغة سياسية كثيفة الشحنة الإيديولوجية، لكنها ضعيفة الارتباط بسياقها الاجتماعي والسياسي الراهن.

الخطاب لم يتحرر بعد من ثقل مرجعيات ما قبل سقوط جدار برلين

لقد بدا واضحا، في كثير من اللحظات، أن الخطاب لم يتحرر بعد من ثقل مرجعيات ما قبل سقوط جدار برلين، ولا من أثر انهيار الاتحاد السوفياتي، بما يحمله ذلك من تحولات عميقة في بنية الفكر اليساري نفسه. فاستدعاء مفاهيم من قبيل “القطيعة الثورية”، و“الحسم مع البنية الطبقية”، و“الرهان على الشارع كأداة وحيدة للتغيير”، دون إعادة تأويلها في ضوء تحولات الدولة والمجتمع، لا يعكس وفاءً للتراث بقدر ما يكشف عجزا عن تجديده. إذ لا يكفي أن نحافظ على المفاهيم، وانما ينبغي أن نعيد إنتاجها داخل شروطها التاريخية الجديدة.
إن الدولة، في صورتها المعاصرة، لم تعد تلك البنية الأحادية التي يمكن اختزالها في جهاز قمعي أو أداة طبقية صرفة، بل أصبحت مجالا مركبًا لتقاطع المصالح، وتوازن القوى، وإنتاج السياسات العمومية. والديمقراطية، في هذا السياق، ليست مجرد أداة إجرائية، بل هي منظومة معقدة لتدبير التعدد، وتنظيم الصراع، وتأطير الاختلاف داخل قواعد مؤسساتية. ومن ثم، فإن أي خطاب يساري لا يستوعب هذا التحول، يظل أسير تصور تبسيطي للدولة، ويخاطر بالانزلاق نحو نزعة إقصائية تجاه الأطراف الأخرى الموجودة على اية حال بالمجتمع، حتى وهو يدعي الدفاع عن التعددية.

اليسار في التجربة المغربية لم يكن فقط قوة احتجاجية

الأخطر من ذلك، أن بعض المداخلات بدت وكأنها تتعامل مع التاريخ السياسي لليسار بنوع من الإنكار الضمني، متجاهلة ما تحقق-ولو بشكل نسبي-من خلال مسارات النضال المؤسساتي.
والحال أن اليسار، في التجربة المغربية، لم يكن فقط قوة احتجاجية، بل كان فاعلا في توسيع هامش الحقوق، وفي إدخال منطق الإصلاح من داخل المؤسسات. إن هذا التراكم، مهما كانت حدوده، لا ينبغي القفز عليه، بل يستوجب قراءة نقدية تراكمية، تعترف بالإنجاز كما ترصد الأعطاب.
إن الإشكال الحقيقي الذي يواجه اليسار المغربي اليوم لا يكمن في ضعف الخطاب فقط، بل في غياب القدرة على إعادة بناء العلاقة مع المجتمع.
فلا يرى بمنطق الصراع إلا “ظله” وبمن خان المسار في اعتقاده ولم يستوعب اننا أمام مجتمع لم يعد يختزل في ثنائية البرجوازية/البروليتاريا، بل هو مجتمع متعدد الانتماءات، متحول القيم، يعيش على إيقاع الثورة الرقمية، وتتشكل داخله مطالب جديدة تتجاوز الأطر الكلاسيكية للصراع الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يصبح من غير المجدي الاستمرار في مخاطبة مجتمع متغير بلغة ثابتة، أو محاولة تأطير فئات اجتماعية جديدة بأدوات تحليل قديمة ومتجاوزة.

تجديد اليسار لا يعني التخلي عن القيم المؤسسة

إن تجديد اليسار لا يعني التخلي عن القيم المؤسسة؛ العدالة الاجتماعية، المساواة، الكرامة، بل يعني إعادة ترجمتها داخل أفق جديد، حيث تتقاطع قضايا العدالة مع رهانات أخرى المتمثلة في: العدالة المجالية، التحول الرقمي، الأمن البيئي، السيادة الاجتماعية. كما يعني الانتقال من يسار يكتفي بتشخيص الأعطاب ومهاجمة الاخر، إلى يسار يمتلك القدرة على اقتراح بدائل واقعية، قابلة للتنفيذ، ومؤطرة برؤية استراتيجية ومنطقية واستشرافية واضحة.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إعادة تأسيس فكر يساري قادر على فهم الدولة كما هي، لا كما نتصورها؛ وعلى استيعاب المجتمع كما يتحول، لا كما كان؛ وعلى بناء أفق سياسي يجمع بين الواقعية والالتزام، بين النقد والمسؤولية. يسار لا يخشى مراجعة ذاته، ولا يتردد في تجاوز أوهامه، ولا يختزل خصومه في صور نمطية، بل ينخرط في صراع ديمقراطي مفتوح، يعترف بالاختلاف ويؤطره، بدل أن يسعى إلى نفيه.
إن اليسار، في نهاية المطاف، ليس ذاكرة نضالية فقط، بل هو مشروع مستقبلي. وإذا لم يحسن قراءة تحولات الحاضر، فلن يكون قادرا على صياغة هذا المستقبل بل لن يقوى حتى على بقاءه.
ومع ذلك، هناك أمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى